في التعبير ، الذي لا يبالغ في شيء ، إنما يضع الاحتمالات والاحتياطات لكل حالة :
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ . وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي . إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
« 1 » .
فإذا رأى أنس الملك به وارتياحه لتأويله ؛ وسمع منه قوله :
« إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ »
لم يدع الفرصة تذهب بل
« قالَ : اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ . إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ »
فيجاب إلى طلبه في أنسب الظروف .
ويدل تصرف يوسف في سنيّ الخصب والجدب على مهارة واضحة في الإدارة والاقتصاد ، فقد أشرف على المالية والتموين أربع عشرة سنة ، لا على تموين مصر وحدها ، بل على تموين البلاد القريبة المجاورة ، التي أجدبت كذلك ، وجاءت مصر تستجدي الخبز والحياة سبع سنين .
ثم إذا جاء إخوته فعرفهم وهم له منكرون ، جعل حصوله منهم على أخيه ، ثمنا لحصولهم على القوت . فإذا جاءوه بأخيه وأراد احتجازه
« جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ، ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ : أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ »
فإذا أنكروا السرقة ، وطلبوا تفتيشهم ، وأخذ من تظهر الكأس في أمتعته ثمنا للكأس ، تبدت الحصافة
هامش
( 1 ) في قول يوسف ذاته هنا ما يؤيد تفسيرنا الذي أسلفنا فالنفس أمارة بالسوء ولقد أمرته ، فما يبرئ نفسه من الأمر ، ولكنه استعصم ، ورأى برهان ربه فأمسك . وهي عصمة لا شك فيها بعد الفتنة التي تعرض لشبيهة لها نبي اللّه داود كذلك في قصة النعجة الواحدة والتسع والتسعين نعجة .