يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ، وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ؟ يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ ، فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا . يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ ، إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا . يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ ، فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا
. .
ولكن أباه ينكر قوله ويغلظ له في القول ، ويهدده تهديدا :
قالَ : أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ ؟ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ . وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا
.
فلا يخرجه هذا العنف عن أدبه الجمّ ، ولا عن طبيعته الودود ، ولا يجعله ينفض يديه من أبيه :
قالَ : سَلامٌ عَلَيْكَ . سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ، إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ؛ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي ، عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا
.
ثم ها هو ذا يحطّم أصنامهم - ولعله العمل الوحيد العنيف الذي يقوم به - ولكنه إنما تدفعه إلى هذا رحمة أكبر . عسى أن يؤمن قومه إذا رأوا آلهتهم جذاذا ، وعلموا أنها لا تدفع عن نفسها الأذى . ولقد كادوا يؤمنون فعلا .
« فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ ، فَقالُوا : إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ »
. ولكنهم عادوا فهمّوا بإحراقه ، وحينئذ
« قُلْنا : يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ »
.
ولقد اعتزلهم عهدا طويلا مع النفر الذي آمن معه ، ومنهم ابن أخيه لوط .