فلندعه سنوات أخرى .
لقد ذهب قومه في التيه ونحسبه قد صار كهلا حينما افترق عنهم ، ولقي الرجل الذي طلب إليه أن يصحبه ليعلمه مما آتاه اللّه علما .
ونحن نعلم أنه لم يستطع أن يصبر حتى ينبئه بسرّ ما يصنع مرة ومرة ومرة ، فافترقا . . . !
تلك شخصية موحدة بارزة ، ونموذج إنساني واضح في كل مرحلة من مراحل القصة جميعا .
* * * 2 - تقابل شخصية موسى شخصية إبراهيم . إنه نموذج الهدوء ، والتسامح والحلم :
« إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ »
.
فها هو ذا في صباه يخلو إلى تأملاته ، يبحث عن إلهه :
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً ، قالَ : هذا رَبِّي . فَلَمَّا أَفَلَ ، قالَ : لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ . فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً ، قالَ : هذا رَبِّي . فَلَمَّا أَفَلَ ، قالَ : لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ : هذا رَبِّي ، هذا أَكْبَرُ . فَلَمَّا أَفَلَتْ ، قالَ : يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَحاجَّهُ قَوْمُهُ ، قالَ : أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ ؟ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً ، وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً . أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ؟
.
وما يكاد يصل إلى هذا اليقين ، حتى يحاول في برّ وودّ أن يهدي إليه أباه ، في أحب لفظ وأحياه .