« ب » وكان من آثار خضوع القصة للغرض الديني أن تعرض منها الحلقات التي تقتضيها هذه الأغراض . وقد نشأ عن هذا ما يشبه أن يكون نظاما عامّا . ذلك أن آخر حلقة تعرض - بحسب ترتيب السور - تتفق مع أظهر غرض ديني صيغت القصة من أجله ، وفي الوقت ذاته يتفق هذا الختام مع الأصول الفنية ؛ ويبدو كأنه ختام فني لذاته ، لا للغرض الديني من ورائه .
وقد لاحظنا من قبل في قصة موسى أن آخر ذكر لها يرد في سورة المائدة ، والحلقة التي تعرض فيها هي حلقة التيه . فهؤلاء بنو إسرائيل قد أغدق اللّه عليهم نعمته ، وأملى لهم في رحمته ؛ ثم ها هم أولاء في النهاية لا يحافظون على النعمة ، ولا يدخلون الأرض المقدسة ، وقد جهد موسى ما جهد لردهم إليها ؛ فيكون تأديبهم على هذا المطال ، تركهم في التيه لا مرشد لهم ولا معين ، حتى يأتي الأجل المعلوم .
ذلك غرض ديني بحت . ولكن ترى كان هناك ختام في أجمل من مشهد التيه ، في نهاية ذلك الجهد الجهيد ، وبعد ذلك التردد الشديد ؟ إن مشهد التيه هو المشهد الفني الأنسب ، لو كانت القصة مطلقة من جميع القيود .
فلنتتبع هذه الظاهرة في قصص أخرى .
1 - هذه قصة إبراهيم ترد في حوالي العشرين موضعا ، ثم يكون آخر موضع ترد فيه هو « سورة الحج » ( 103 ) فتعرض منها الحلقة التالية :
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً ؛ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ؛ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ