وصل الامر على هذا النحو إلى الأئمة القراء المشهورين الذين تخصصوا وانقطعوا للقراءات يضبطونها ويعنون بها وينشرونها .
هذا منشأ علم القراءات واختلافها وإن كان هذا الاختلاف يرجع في الواقع إلى أمور يسيرة بالنسبة لمواضع الاتفاق الكثيرة كما هو معلوم وهذا الاختلاف في حدود الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن الكريم كلها من عند اللّه .
ويحسن في هذا المقام ان ننقل ما كتبه الشيخ الزرقاني في كتابه « مناهل العرفان » وقد نقله من كتاب للنويري مخطوط بدار الكتب المصرية وضعه شرحا للطيبة في القراءات .
قال : ( والاعتماد في نقل القرآن على الحفّاظ ، ولذلك ارسل ( أي عثمان رضي اللّه عنه ) كل مصحف مع من يوافق قراءته في الأكثر وليس بلازم . وقرأ كل مصر بما في مصحفهم ، وتلقوا ما فيه من الصحابة الذين تلقوه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ثم تجرد للأخذ عن هؤلاء قوم اسهروا ليلهم في ضبطها ، واتعبوا نهارهم في نقلها ، حتى صاروا في ذلك أئمة للاقتداء ، وأنجما للاهتداء وأجمع أهل بلدهم على قبول قراءتهم ، ولم يختلف عليهم اثنان في صحة روايتهم ودرايتهم ، ولتصدّيهم للقراءة نسبت إليهم ، وكان المعول فيها عليهم .
« ثم إن القراء بعد هؤلاء كثروا ، وفي البلاد انتشروا وخلفهم أمم بعد أمم ، وعرفت طبقاتهم ، واختلفت صفاتهم ، فكان منهم المتقن للتلاوة ، المشهورة بالرواية والدراية ، ومنهم المحصل لوصف واحد ، ومنهم المحصل لأكثر من واحد فكثر بينهم لذلك الاختلاف وقلّ منهم الائتلاف .
فقام عند ذلك جهابذة الأئمة ، وصناديد الأمة فبالغوا في الاجتهاد بقدر الحاصل ، وميزوا بين الصحيح والباطل ، وجمعوا الحروف والقراءات ، وعزوا الأوجه والروايات ، وبينوا الصحيح والشاذ ، والكثير والفاذ بأصول اصّلوها وأركان فضّلوها « 1 » . . الخ » .
هامش
( 1 ) انظر مناهل العرفان ج 1 ص 407 .