فالتعبير الذي جاء في القرآن إنما هو من ( باب التمثيل ) لبيان عاقبة الإسراف أو الشح ، وهو معنى من أروع المعاني لا يدركه إلّا من فهم أساليب العرب في التخاطب بالأسلوب البليغ . وكذلك قوله تعالى
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
« 1 » فإن هذا اللفظ لا يمكن ترجمته ترجمة حرفية لوجود نوع خاص من التعبير البليغ يسمى ب ( الاستعارة المكنية ) وهذا لا يوجد في غير اللغة العربية ، ومثله قوله تعالى
قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ
« 2 » وقوله
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
« 3 » ومثله كذلك قوله تعالى
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ
« 4 » فإذا ترجمناها ترجمة حرفية يفسد المعنى تماما ، ويصبح ضربا من الهذيان في الكلام وأمثال هذا كثير وفساده واضح .
ترجمة القرآن بالمعنى :
أما ترجمة القرآن بالمعنى فهي جائزة بالشروط المتقدمة ، وهي لا تسمى ( قرآنا ) وإنما تسمّى تفسيرا للقرآن . ذلك لأن اللّه تعبدنا بألفاظ القرآن ، ولم يتعبدنا بغيره من الكلام . فكلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم تجوز روايته بالمعنى بأن نقول قال رسول اللّه : ما معناه ، ولكن القرآن لا يجوز روايته بالمعنى ، فلا يصح ان نقول : قال اللّه تعالى ما معناه ، بل لا بدّ من تلاوة النص بحروفه وألفاظه لأنه موحى به من عند اللّه ، ولأنه معجز بلفظه ومعناه .
فالترجمة في الحقيقة هاهنا ليست ترجمة للقرآن ، وإنما هي ترجمة لمعاني القرآن ، أو ترجمة لتفسير القرآن ، وقد أنزل اللّه كتابه إلى الخلق أجمعين ، ليكون مصدر هداية ، وإرشاد وإسعاد لهم ، فلا مانع لنا ان ننقل معاني القرآن إلى الأمم الأخرى ممن لا يعرفون اللغة العربية ، ليستنيروا بهذا القرآن ويقبسوا من هديه وإرشاده . وهذا بلا شك غرض من أغراض القرآن
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
« 5 » .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 24 .
( 2 ) سورة يونس ، الآية : 2 .
( 3 ) سورة القمر ، الآية : 14 .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 187 .
( 5 ) سورة الإسراء ، الآية : 9 .