يتعبّد ) في غار حراء ، إذ نزل عليه الوحي ( جبريل الأمين ) بآيات الذكر الحكيم فضمّه إلى صدره ثم أفلته - فعل ذلك به ثلاث مرات - وهو يقول له في كل مرة ( اقرأ ) والرسول الكريم يجيبه ( ما أنا بقارئ ) أي لست أعرف القراءة ، وفي المرّة الثالثة قال له :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
« 1 » .
فكان ذلك بدء نزول الوحي ، وبدء نزول القرآن ، ولقد سبق نزول بعض الارهاصات ( أي الإشارات والدلائل ) التي تدلّ على قرب الوحي وتحقّق النبوّة للرسول الكريم ، ومن هذه الدلائل ( الرؤيا الصادقة ) في النوم ، فكان صلوات اللّه عليه لا يرى رؤيا الا وقعت كما رآها في منامه ، ومنها ( حبّه للعزلة والخلوة ) فكان يخلو بغار حراء يتعبّد ربه فيه .
رواية البخاري :
وقد أخرج البخاري في صحيحه في باب ( بدء الوحي ) ما يشير إلى هذا ، وإلى كيفية نزول القرآن ، حيث روى بسنده عن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها أنها قالت :
« أول ما بدئ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق « 2 » الصبح ، ثم حبّب إليه الخلاء « 3 » ، وكان يخلو ( بغار حراء ) فيتحنّت فيه ( وهو التعبّد ) الليالي ذوات العدد ، قبل أن ينزع « 4 » إلى أهله ، ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك « 5 » فقال : اقرأ ، قال : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذني فغطّني « 6 » حتى بلغ مني
هامش
( 1 ) سورة العلق ، الآيات : 1 - 5 .
( 2 ) فلق الصبح ، نور الصبح وضياءه .
( 3 ) الخلاء ، أي العزلة .
( 4 ) ينزع : أي يرجع .
( 5 ) الملك : المراد به جبريل عليه السلام .
( 6 ) فغطني : أي ضمني إلى صدره .