المراد : أتتخذون من دونه آلهة ان يردكم الرحمن بضر لا تغنى عنكم شفاعتهم شيئا ولا ينقذوكم ، انكم اذن لفى ضلال مبين ، ولذلك قيل :
« إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ »
دون « بربى » وأتبعه
« فَاسْمَعُونِ »
، ولا تعرف حسن موقع هذا التعريض الا إذا نظرت إلى مقامه ، وهو تطلب اسماع الحق على وجه لا يورث طالب دم المسمع مزيد غضب ، وهو ترك المواجهة بالتضليل ، والتصريح لهم بالنسبة إلى ارتكاب الباطل ، ومن هذا الأسلوب قوله تعالى :
« قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ »
« 43 » والا فحق النسق من حيث الظاهر : قل لا تسألون عما عملنا ولا نسأل عما تجرمون . وكذلك ما قبله :
« وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ »
« 44 » وهذا النوع من الكلام يسمى المنصف » « 45 » .
وهذا مأخوذ من الكشاف وقد بيناه في موضعه « 46 » .
* * *
التعبير بالمضارع عن الماضي :
وقد أخذ السكاكى بيان سر هذه الطريقة من تحليل الزمخشري .
يقول في قوله تعالى :
« وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها »
« 47 » : « قال :
« فَتُثِيرُ »
استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية من إثارة السحاب مسخرا بين السماء والأرض ، متكونا في المرأى تارة عن قزع ، وكأنها قطع قطن مندوف ، ثم تنضام متقلبة بين أطوار حتى يعدن ركاما ، وأنه طريق للبلغاء لا يعدلون عنه إذا اقتضى المقام سلوكه ، أو ما ترى تأبط شرا في قوله :
بأنّى قد لقيت الغول تهوى * بسهب كالصّحيفة صحصحان
فأضربها بلا دهش فخرّت * صريعا لليدين وللجران
كيف سلك في « فأضربها بلا دهش » قصدا إلى أن يصور لقومه الحالة
هامش
( 43 ) سبأ : 25
( 44 ) سبأ : 24
( 45 ) المفتاح ص 132 ، 133
( 46 ) ينظر الكلام المنصف في الباب الأول من هذا البحث ص 382 وما بعدها .
( 47 ) فاطر : 9