بالذي هو في الحقيقة له ، والذي تأثر به الخطيب ، فليس تعريفا جامعا لكل صور المجاز العقلي كما يتصوره الزمخشري نفسه ، لما قدمناه ولا اعتراض عليه في هذا ، فإنه كان يذكر من أصول البلاغة في كل موقف ما يقتضيه هذا الموقف ، فإذا كان تفسير اسناد الربح إلى التجارة لا يحتاج إلى أكثر من هذا الذي ذكره اكتفى به ، ولذلك يقع الباحث في الخطأ إذا توهم أن كلامه في موطن واحد يوضح رأيه في مسألة بلاغية مهما أسهب في هذا الموطن .
قلت : ان الزمخشري يفرق بين المجاز اللغوي والمجاز العقلي . ولذلك يردد صورة التركيب بين المجازين ، يقول في قوله تعالى :
« إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً »
« 276 » : « ووصف اليوم بالعبوس مجاز على طريقين ، أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء كقولهم : نهارك صائم . . . وأن يشبه في شدته وضرره بالأسد العبوس ، أو بالشجاع الباسل » « 277 »
ويقول في قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ »
« 278 » : « فان قلت : كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته وقد أسنده إلى الشيطان في قوله :
« وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ »
« 279 » قلت :
بين الاسنادين فرق ، وذلك أن اسناده إلى الشيطان حقيقة ، واسناده إلى اللّه عز وجل مجاز ، وله طريقان في علم البيان أحدهما أن يكون من المجاز الذي يسمى الاستعارة ، والثاني أن يكون من المجاز الحكمي » « 280 »
ولا يبعد أن تكون صحة الوجهين في هذه الصور ألهمت أبا يعقوب السكاكى اختيار التجوّز اللغوي على التجوّز في الاسناد ، وقد جعله
هامش
( 276 ) الانسان : 10
( 277 ) الكشاف ج 4 ص 535
( 278 ) النمل : 4
( 279 ) النمل : 24
( 280 ) الكشاف ج 3 ص 274