الدلالة على تمكنه مكذبا في قلوبهم أشد التمكن وأثبته فجعله بمنزلة أمر قد جبلوا عليه وفطروا ، ألا ترى إلى قولهم : هو مجبول على الشح ، يريدون تمكن الشح فيه ، لأن الأمور الخلقية أثبت على العارضة ، والدليل عليه أنه أسند ترك الايمان به إليهم على عقبه ، وهو قوله :
« لا يُؤْمِنُونَ »
« 287 »
وفي نهاية بحث المجاز بجميع أنواعه يجدر أن نشير إلى مسألتين :
المسألة الأولى : بحث المجاز عن المجاز ، فقد برزت هذه المسألة في دراسة الزمخشري وليس لها حيز في دراسة عبد القاهر . وهذا راجع إلى ما يقوله الزمخشري في شيوع المجاز أو الكناية حتى يكون الأسلوب كأنه حقيقة ، يقول في قوله تعالى :
« إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ »
« 288 » : « استعير لجهة الخير وجانبه ، فقيل : أتاه عن اليمين أي من قبل الخير وناحيته ، فصده عنه وأضله . . . فان قلت :
قولهم : أتاه من جهة الخير وناحيته ، مجاز في نفسه فكيف جعلت اليمين مجازا عن المجاز ؟ قلت : من المجاز ما غلب في الاستعمال حتى ألحق بالحقائق ، وهذا من ذاك » « 289 »
والمسألة الثانية : أن أئمة المعتزلة قد ذهبوا إلى جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز كما ذهب إلى هذا غيرهم من أئمة الفقه واللغة ، كالامام الشافعي ، والغزالي . وأبى الحسين ، وغيرهم كثير كما ذكر العلامة السبكي « 290 » ، أما الزمخشري فقد ذهب إلى ما يخالف هؤلاء جميعا ورفض أن يكون اللفظ دالا على معنيين حقيقي ومجازى في حال واحدة .
هامش
( 287 ) الكشاف ج 3 ص 265 ، 266 - والآية من سورة الشعراء :
201
( 288 ) الصافات : 28
( 289 ) الكشاف ج 4 ص 31
( 290 ) شروح التلخيص ( شرح السبكي ) ج 4 ص 239