وفي قوله تعالى :
« فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ »
« 53 » فلا وجه لما ذهب اليه السبكي رحمه اللّه .
والزمخشري يلحظ أن موقع الكلمة قد يتغير في آيتين فيقدم المتأخر ثم يؤخر المتقدم ثم يقف ليتأمل ويستكشف السر وراء هذا العدول مستعينا بسياق الآية والغرض منها ، ومستعينا بخبرته بشؤون النفس وأحوال الناس . يقول في قوله تعالى :
« الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ، وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً »
« 54 » :
« فان قلت : كيف قدمت الزانية على الزاني أولا ، ثم قدمه عليها ثانيا ؟ قلت : سيقت تلك الآية لعقوبتهما على ما جنيا ، والمرأة هي المادة التي منها نشأت الجناية ، لأنها لو لم تطمع الرجل . ولم تومض له ، ولم تمكنه لم يطمح ولم يتمكن . فلما كانت أصلا وأولا في ذلك ، بدئ بذكرها . وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح ، والرجل أصل فيه ، لأنه هو الراغب والخاطب ومنه يبدأ الطلب » « 55 » .
وأما التقديم في المتعلقات فان الكلام فيها ينقسم قسمين :
الأول تقديم المتعلقات على العامل . والثاني تقديم بعض المتعلقات على بعض ، والزمخشري يبين فائدة تقديم المعمول على العامل ويشرح ما تتضمنه من معنى الاختصاص في مواطن كثيرة ، منها قوله في آية :
« وَعَلاماتٍ ، وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ »
« 56 » : « فان قلت : قوله
« وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ »
خرج عن سنن الخطاب مقدم فيه « النجم » مقحم فيه « هم »
هامش
( 53 ) ينظر الكشاف ج 4 ص 328 - والآية من سورة الطور : 29
( 54 ) النور : 2 ، 3
( 55 ) الكشاف ج 3 ص 167 - 168
( 56 ) النحل : 16