إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 91 ) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ
[ النمل : 91 ، 92 ] . فحقيقة التلاوة في هذه المواضع هي التلاوة المطلقة التامة ، وهي تلاوة اللفظ والمعنى ، فتلاوة اللفظ جزء مسمى التلاوة المطلقة ، وحقيقة اللفظ إنما هي الاتباع ، يقال : أتل أثر فلان وتلوت أثره وقفوته وقصصته بمعنى : تبعت خلفه .
ومنه قوله تعالى :
وَالشَّمْسِ وَضُحاها ( 1 ) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها
( 2 ) [ الشمس ] ، أي تبعها في الطلوع بعد غيبتها . ويقال : جاء القوم يتلو بعضهم بعضا ، أي : يتبع . وسمي تالي الكلام تاليا ؛ لأنه يتبع بعض الحروف بعضا لا يخرجها جملة واحدة ، بل يتبع بعضها بعضا مرتبة ، كلما انقضى حرف أو كلمة أتبعه بحرف آخر وكلمة أخرى .
وهذه التلاوة وسيلة وطريقة ، والمقصود التلاوة الحقيقية وهي تلاوة المعنى واتباعه ، تصديقا بخبره ، وائتمارا بأمره ، وانتهاء بنهيه ، وائتماما به ، حيث ما قادك انقدت معه ، فتلاوة القرآن تتناول تلاوة لفظه ومعناه تلاوة المعنى أشرف من مجرد تلاوة اللفظ ، وأهلها هم أهل القرآن الذين لهم الثناء في الدنيا والآخرة ، فإنهم أهل تلاوة ومتابعة حقا « 1 » .
شروط الانتفاع بالقرآن
إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه ، وألق سمعك ، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به - سبحانه - منه إليه « 2 » ، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله ، قال تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
( 37 ) [ ق ] ، وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفا على مؤثر مقتض ، ومحل قابل ، وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه ؛ تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه وأدله على المراد .
فقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى
إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا ، وهذا هو المؤثر ، وقوله :
لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
، فهذا هو المحل القابل ، والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن اللّه كما قال تعالى :
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ، لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا
[ يس 69 - 70 ] ، أي حي القلب . وقوله :
أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ
، أي وجه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له ، وهذا شرط التأثر بالكلام .
وقوله :
وَهُوَ شَهِيدٌ
، أي شاهد القلب حاضر غير غائب . قال ابن قتيبة : استمع كتاب اللّه
هامش
( 1 ) مفتاح دار السعادة ( 45 ، 46 ) .
( 2 ) الضمير في لفظة « منه » يعود إلى اللّه عز وجلّ . وفي « إليه » يعود إلى المخاطب ، بفتح الطاء .