تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
وزعم أنه أراد بقوله : طويل التغني طويل الاستغناء ، فإنه غلط منه ، وإنما عنى الأعشى بالتغني في هذا الموضع : الإقامة من قول العرب : غنى بمكان كذا : إذا أقام به ، ومنه قوله تعالى :
كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا
[ الأعراف : 92 ] ، واستشهاده بقول الآخر :
كلانا غنى عن أخيه حياته * ونحن إذا متنا أشد تغانيا
فإنه إغفال منه ، وذلك لأن التغاني تفاعل من تغنى : إذا استغنى كل فلان منهما عن صاحبه ، كما يقال : تضارب الرجلان ، إذا ضرب كل واحد صاحبه ، وتشاتما ، وتقاتلا . ومن قال : هذا في فعل اثنين ، لم يجز أن يقول مثله في فعل الواحد ، فيقول : تغانى زيد ، وتضارب عمر ، وذلك غير جائز أن يقول تغنى زيد بمعنى استغنى ، إلا أن يريد به قائله أنه أظهر الاستغناء ، وهو غير مستغن ، كما يقال : تجلد فلان : إذا أظهر جلدا من نفسه ، وهو غير جليد ، وتشجع ، وتكرم . فإن وجه موجه التغني بالقرآن إلى هذا المعنى على بعده من مفهوم كلام العرب ، كانت المصيبة في خطئه في ذلك أعظم ؛ لأنه يوجب على من تأوله أن يكون اللّه - تعالى ذكره - لم يأذن لنبيه أن يستغني بالقرآن ، وإنما أذن له أن يظهر من نفسه لنفسه خلاف ما هو به من الحال ، وهذا لا يخفى فساده . قال : ومما يبين فساد تأويل ابن عيينة أيضا أن الاستغناء عن الناس بالقرآن من المحال أن يوصف أحد به أنه يؤذن له فيه أو لا يؤذن ، إلا أن يكون الأذن عند ابن عيينة بمعنى الإذن ، الذي هو إطلاق وإباحة ، وإن كان كذلك ، فهو غلط من وجهين ، أحدهما : من اللغة ، والثاني : من إحالة المعنى عن وجهه . أما اللغة ، فإن الأذن مصدر قوله : أذن فلان لكلام فلان ، فهو يأذن له : إذا استمع له وأنصت ، كما قال تعالى :
وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ
( 2 ) [ الانشقاق ] ، بمعنى سمعت لربها وحق لها ذلك ، كما قال عدي بن زيد : إن همي في سماع وأذن ، بمعنى ، في سماع واستماع . فمعنى قوله : ما أذن اللّه لشيء ، إنما هو : ما استمع اللّه لشيء من كلام الناس ما استمع لنبي يتغنى بالقرآن . وأما الإحالة في المعنى ؛ فلأن الاستغناء بالقرآن عن الناس غير جائز ؛ وصفه بأنه مسموع ومأذون له ، انتهى كلام الطبري . قال أبو الحسن بن بطال : وقد وقع الإشكال في هذه المسألة أيضا بما رواه ابن أبي شيبة ، حدثنا زيد بن الحباب ، قال : حدثني موسى بن علي بن رباح ، عن أبيه ، عن عقبة بن عامر ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « تعلموا القرآن وتغنوا به ، واكتبوه ، فوالذي نفسي بيده ، لهو