تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
أشد تفصيا من المخاض من العقل » « 1 » . قال : وذكر عمر بن شبة ، قال ذكر لأبي عاصم النبيل تأويل ابن عيينة في قوله : « يتغنى بالقرآن » يستغنى به ، فقال : لم يصنع ابن عيينة شيئا ، حدثنا ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، قال : كانت لداود نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معزفة يتغنى عليها يبكي ويبكي . وقال ابن عباس : إنه كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا ، تكون فيهن ، ويقرأ قراءة يطرب منها الجموع . وسئل الشافعي - رحمه اللّه - عن تأويل ابن عيينة فقال : نحن أعلم بهذا ، لو أراد به الاستغناء ؛ لقال : « من لم يستغن بالقرآن » ، ولكن لما قال : « يتغنى بالقرآن » ، علمنا أنه أراد به التغني . قالوا : ولأن تزيينه ، وتحسين الصوت به ، والتطريب بقراءته أوقع في النفوس ، وأدعى إلى الاستماع والإصغاء إليه ، ففيه تنفيذ للفظه إلى الأسماع ، ومعانية إلى القلوب ، وذلك عون على المقصود ، وهو بمنزلة الحلاوة التي تجعل في الدواء لتنفذه إلى موضع الداء ، وبمنزلة الأفاوية والطيب الذي يجعل في الطعام ؛ لتكون الطبيعة أدعى له قبولا ، وبمنزلة الطيب والتحلي ، وتجمل المرأة لبعلها ؛ ليكون أدعى إلى مقاصد النكاح . قالوا : ولا بد للنفس من طرب واشتياق إلى الغناء ، فعوضت عن طرب الغناء بطرب القرآن ، كما عوضت عن كل محرم ومكروه بما هو خير لها منه ، وكما عوضت عن الاستقسام بالأزلام بالاستخارة التي هي محض التوحيد والتوكل ، وعن السفاح بالنكاح ، وعن القمار بالمراهنة بالنصال وسباق الخيل ، وعن السماع الشيطاني بالسماع الرحماني القرآني ، ونظائره كثيرة جدا . قالوا : والمحرم ، لا بد أن يشتمل على مفسدة راجحة ، أو خالصة ، وقراءة التطريب والألحان لا تتضمن شيئا من ذلك ، فإنها لا تخرج الكلام عن وضعه ، ولا تحول بين السامع وبين فهمه ، ولو كانت متضمنة لزيادة الحروف كما ظن المانع منها : لأخرجت الكلمة عن موضعها ، وحالت بين السامع وبين فهمها ، ولم يدر ما معناها ، والواقع بخلاف ذلك . قالوا : وهذا التطريب والتلحين ، أمر راجع إلى كيفية الأداء ، وتارة يكون سليقة وطبيعة ، وتارة يكون تكلفا وتعملا ، وكيفيات الأداء لا تخرج الكلام عن وضع مفرداته ، بل هي صفات لصوت المؤدي ، جارية مجرى ترقيقه وتفخيمه وإمالته ، وجارية مجرى مدود القراء الطويلة والمتوسطة ، لكن تلك الكيفيات متعلقة بالحروف ، وكيفيات الألحان والتطريب ، متعلقة بالأصوات ، والآثار في هذه الكيفيات ، لا يمكن نقلها ، بخلاف كيفيات أداء
هامش
( 1 ) أحمد ( 4 / 146 ) ، وقال الهيثمي في المجمع ( 7 / 172 ) : « ورجال أحمد رجال الصحيح » .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 458 | ابن قيم الجوزية