تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
قال ابن بطال : وقالت طائفة : التغني بالقرآن ، هو تحسين الصوت به ، والترجيع بقراءته ، قال : والتغني بما شاء من الأصوات واللحون هو قول ابن المبارك ، والنضر بن شميل ، قال : وممن أجاز الألحان في القرآن : ذكره الطبري ، عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، أنه كان يقول لأبي موسى : ذكرنا ربنا ؛ فيقرأ أبو موسى ويتلاحن ، وقال : من استطاع أن يتغنى بالقرآن غناء أبي موسى ، فليفعل . وكان عقبة بن عامر من أحسن الناس صوتا بالقرآن ، فقال له عمر : أعرض عليّ سورة كذا ، فعرض عليه ، فبكى عمر ، وقال : ما كنت أظن أنها نزلت . قال : وأجازه ابن عباس ، وابن مسعود ، وروي عن عطاء بن أبي رباح ، قال : وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد ، يتتبع الصوت الحسن في المساجد في شهر رمضان . وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه : أنهم كانوا يستمعون القرآن بالألحان . وقال محمد بن عبد الحكم : رأيت أبي والشافعي ويوسف بن عمر يستمعون القرآن بالألحان ، وهذا اختيار ابن جرير الطبري . قال المجوزون : - واللفظ لابن جرير : الدليل على أن معنى الحديث تحسين الصوت ، والغناء المعقول الذي هو تحزين القارئ سامع قراءته ، كما أن الغناء بالشعر هو الغناء المعقول الذي يطرب سامعه : ما روى سفيان ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « ما أذن اللّه لشيء ما أذن لنبي حسن الترنم بالقرآن » « 1 » ، ومعقول عند ذوي الحجا ، أن الترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه المترنم وطرب به . وروي في هذا الحديث : « ما أذن اللّه لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به » . قال الطبري : « وهذا الحديث من أبين البيان أن ذلك كما قلنا ، قال : ولو كان كما قال ابن عيينة ، يعني : يستغني به عن غيره ، لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معنى ، والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع ، قال الشاعر :
تغن بالشعر إما كنت قائله * إن الغناء لهذا الشعر مضمار
قال : وأما ادعاء الزاعم أن تغنيت بمعنى استغنيت فاش في كلام العرب فلم نعلم أحدا قال به من أهل العلم بكلام العرب . وأما احتجاجه لتصحيح قوله بقول الأعشى :
وكنت امرأ زمنا بالعراق * عفيف المناخ طويل التغن
هامش
( 1 ) سبق تخريجه ص ( 451 ) .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 456 | ابن قيم الجوزية