تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
وكان يحب أن يسمع القرآن من غيره ، وأمر عبد اللّه بن مسعود ، فقرأ عليه وهو يسمع ، وخشع صلّى اللّه عليه وسلّم لسماع القرآن منه ، حتى ذرفت عيناه « 1 » . وكان يقرأ القرآن قائما ، وقاعدا ، ومضطجعا ومتوضئا ، ومحدثا ، ولم يكن يمنعه من قراءته إلا الجنابة . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يتغنى به ، ويرجع صوته به أحيانا كما رجع يوم الفتح في قراءته :
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
( 1 ) [ الفتح ] . وحكى عبد اللّه بن مغفل ترجيعه ، آآآ ثلاث مرات ، ذكره البخاري « 2 » . وإذا جمعت هذه الأحاديث إلى قوله : « زينوا القرآن بأصواتكم » « 3 » ، وقوله : « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » « 4 » ، وقوله : « زينوا القرآن بأصواتكم ليس منا من لم يتغن بالقرآن ما أذن اللّه لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن » « 5 » علمت أن هذا الترجيع منه صلّى اللّه عليه وسلّم كان اختيارا لا اضطرارا لهز الناقة له ، فإن هذا لو كان لأجل هز الناقة ، لما كان داخلا تحت الاختيار ، فلم يكن عبد اللّه بن مغفل يحكيه ويفعله اختيارا ليؤتسى به ، وهو يرى هز الراحلة له حتى ينقطع صوته ، ثم يقول : كان يرجع في قراءته ، فنسب الترجيع إلى فعله ، ولو كان من هز الراحلة ، لم يكن منه فعل يسمى ترجيعا . وقد استمع ليلة لقراءة أبي موسى الأشعري ، فلما أخبره بذلك ، قال : لو كنت أعلم أنك تسمعه ؛ لحبرته لك تحبيرا « 6 » ، أي : حسنته وزينته بصوتي تزيينا ، وروى أبو داود في « سننه » عن عبد الجبار بن الورد ، قال : سمعت ابن أبي مليكة يقول : قال عبد اللّه بن أبي يزيد : مر بنا أبو لبابة ، فاتبعناه حتى دخل بيته ، فإذا رجل رث الهيئة ، فسمعته يقول : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » . قال : فقلت لابن أبي مليكة : يا أبا محمد ، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت ؟ قال : يحسنه ما استطاع . قلت : لا بد من كشف هذه المسألة ، وذكر اختلاف الناس فيها ، واحتجاج كل فريق ، وما
هامش
( 1 ) البخاري ( 5049 ) في فضائل القرآن ، باب : من أحب أن يستمع القرآن من غيره . ( 2 ) البخاري ( 4835 ) في التفسير ، بابإِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً( 1 ) . ( 3 ) سبق تخريجه ص ( 451 ) . ( 4 ) سبق تخريجه ص ( 450 ) . ( 5 ) سبق تخريجه ص ( 451 ) . ( 6 ) سبق تخريجه ص ( 429 ) .