تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
وذلك غير جائز . قالوا : ولا حد لما يجوز من ذلك ، وما لا يجوز منه ، فإن حد بحد معين ، كان تحكما في كتاب اللّه - تعالى - ودينه ، وإن لم يحد بحد ، أفضى إلى أن يطلق لفاعله ترديد الأصوات ، وكثرة الترجيعات ، والتنويع في أصناف الإيقاعات والألحان المشبهة للغناء ، كما يفعل أهل الغناء بالأبيات ، وكما يفعله كثير من القراء أمام الجنائز ، ويفعله كثير من قراء الأصوات ، مما يتضمن تغيير كتاب اللّه ، والغناء به على نحو ألحان الشعر والغناء ، ويوقعون الإيقاعات عليه مثل الغناء سواء ، اجتراء على اللّه وكتابه ، وتلاعبا بالقرآن ، وركونا إلى تزيين الشيطان ، ولا يجيز ذلك أحد من علماء الإسلام ، ومعلوم : أن التطريب والتلحين ذريعة مفضية إلى هذا إفضاء قريبا ، فالمنع منه ، كالمنع من الذرائع الموصلة إلى الحرام ، فهذا نهاية إقدام الفريقين ، ومنتهى احتجاج الطائفتين . وفصل النزاع أن يقال : التطريب والتغني على وجهين : أحدهما : ما اقتضته الطبيعة ، وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين ولا تعليم ، بل إذا خلى وطبعه ، واسترسلت طبيعته ؛ جاءت بذلك التطريب والتلحين ، فذلك جائز ، إن أعان طبيعته بفضل تزيين وتحسين ، كما قال أبو موسى الأشعري للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا » « 1 » ، والحزين ومن هاجه الطرب ، والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة ، ولكن النفوس تقبله وتستحليه لموافقته الطبع ، وعدم التكلف والتصنع فيه ؛ فهو مطبوع لا متطبع ، وكلف لا متكلف ، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه ، وهو التغني الممدوح المحمود ، وهو الذي يتأثر به التالي والسامع ، وعلى هذا الوجه تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها . الوجه الثاني : ما كان من ذلك صناعة من الصنائع ، وليس في الطبع السماحة به ، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن ، كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة ، والمركبة على إيقاعات مخصوصة ، وأوزان مخترعة ، لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف ، فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها ، وذموها ، ومنعوا القراءة بها ، وأنكروا على من قرأ بها ، وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه ، وبهذا التفصيل يزول الاشتباه ، ويتبين الصواب من غيره ، وكل من له علم بأحوال السلف ؛ يعلم قطعا أنهم برآء من القراءة بألحان
هامش
( 1 ) سبق تخريجه ص ( 429 ) .