الحكم ، أو بصفته إذا حكم ؟ فيه قولان ، ونظيره : أمره صلّى اللّه عليه وسلّم بالدعاء في السجود ، هل هو أمر بأصل الدعاء أو المعنى إذا دعوتم فاجعلوا دعاءكم في السجود ، فإنه « فمن أن يستجاب لكم » « 1 » فقوله : « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » ، إن أريد به الحض على نفس الفعل كان ذما لمن ترك التغني به ، وإن أريد به المعنى الثاني ، وهو أنه إذا تغنى فليتغن بالقرآن ، كان ذما لمن تغنى بغيره لا لمن ترك التغني به ، وبين المعنيين فرق ظاهر ، وقد يصح أن يرادا معا ، وأنه ذم من ترك التغني به ، ومن تغنى بغيره ، واللّه أعلم « 2 » .
وأيضا إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ندب إلى تحسين الصوت بالقرآن وتزيينه به ، واستمعه هو وأصحابه فقال :
« زينوا القرآن بأصواتكم » « 3 » ، وقال : « ما أذن اللّه لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن » « 4 » ، وقال لأبي موسى : « لقد مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك » . فقال : لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا « 5 » وقال : « للّه أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته » « 6 » ، ومع هذا فلا يسوغ أن يقرأ القرآن بألحان الغناء ، وتقرن به من الألحان وآلات اللهو ما يقرن بالغناء حتى ولا عند من يقول بإباحة ذلك في الشعر بل المسلمون مجمعون على تحريمه « 7 » .
مسألة قال صاحب السماع : إذا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد أخبر عن ربه أنه يستمع للصوت الحسن ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم استمع صوت أبي موسى وأعجبه ، وأثنى عليه ، وقال : « قد أوتي هذا مزمارا من
هامش
( 1 ) مسلم ( 479 / 207 ) في الصلاة ، باب : النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود ، وأحمد ( 1 / 155 ) ، وقال الشيخ أحمد شاكر : « إسناده ضعيف من أجل عبد الرحمن بن إسحاق » .
( 2 ) الكلام ( 314 - 318 ) ، حكم سماع الغناء ( 201 : 204 ) .
( 3 ) أبو داود ( 1468 ) في الصلاة ، باب : استحباب الترتيل في القراءة ، وابن ماجة ( 1342 ) في إقامة الصلاة ، باب : حسن الصوت بالقرآن .
( 4 ) البخاري ( 5024 ) في فضائل القرآن ، باب الوصاة بكتاب اللّه عز وجلّ ، ومسلم ( 792 / 232 ) في صلاة المسافرين ، باب : استحباب تحسين الصوت بالقرآن .
( 5 ) سبق تخريجه ص ( 429 ) .
( 6 ) سبق تخريجه ص ( 429 ) .
( 7 ) الكلام على مسألة السماع ص ( 271 ) ، حكم سماع الغناء ( 71 ) .