تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
مزامير آل داود » ، فقال له أبو موسى : لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا « 1 » . أي : زينته وحسنته ، ومنه البرد المحبر . وقد روي أن داود كان يستمع لصوته الحسن الإنس والجن والطير والوحوش ، وكان يحمل من مجلسه أربعمائة جنازة ممن قد مات من قراءته « 2 » . قال صاحب القرآن : عجبا لكم أيها السماعاتية ولاستدلالكم ، فلو أن المنكرين عليكم كرهوا حسن الصوت وعابوه وذموه مطلقا ؛ لكان في ذلك احتجاج عليهم ، كيف وهم أخبر الناس في الصوت الحسن ؟ لكن الشأن فيما يؤدي بالصوت . فهذه الآثار التي ذكرتموها ، وأكثر منها إنما تدل على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ، ومن نازع في هذا ؟ فالاستدلال بها على تحسين الصوت بالغناء الذي هو قرآن الشيطان ، ومادة النفاق ورقية الفواحش أفسد من قياس الربا على البيع ، فإن بين الغناء والقرآن من التباين أعظم مما بين البيع والربا ، ومما بين النكاح والسفاح ، ومما بين الشراب الحلال والشراب الحرام . فأين سماع المكاء والتصدية الذي ذمه اللّه في كتابه ، وأخبر أنه سماع المشركين ، من سماع أنبيائه ورسله وأوليائه وحزبه المفلحين ؟ . وأين سماع المخانيث والقينات والفساق والمغنين من سماع الخلفاء الراشدين والمهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، واقتفوا طريقتهم المثلى ، وسبيلهم الأقوم ، وسلكوا منهاجهم الواضح ؟ وكيف يقاس مؤذن الشيطان الداعي بحي على غير الفلاح ، على مؤذن الرحمن الداعي إلى السعادة والنجاح ، وقد تقدم ذكر الحديث الذي رواه الطبراني الكبير في معجمه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أن الشيطان قال : يا رب اجعل لي قرآنا قال قرآنك الشعر ، قال : اجعل لي مؤذنا قال : مؤذنك المزمار » « 3 » . فمن قاس قرآن الشيطان ومؤذنه على قرآن الرحمن ومؤذنه فاللّه حسيبه ومجازيه ، وسيعلم يوم الحشر أي بضاعة أضاع ، وعند الميزان أيثقل أم يخف بما قدم به من السماع ، وهاهنا الناس أربعة أقسام .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه ص ( 429 ) . ( 2 ) انظر الرسالة القشيرية ( 2 ، 6 ) ( 3 ) الطبراني في الكبير ( 8 / 245 ، 246 ) ( 7837 ) ، وقال الهيثمي في المجمع ( 8 / 122 ) : « وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف ، وقد تقدم لهذا طرق في كتاب الإيمان » .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 452 | ابن قيم الجوزية