قول من يقول : إذا أمر اللّه بالقتال في سبيله بالسيف والرمح والنشاب « 1 » دل ذلك على فضيلة الطعن والضرب والرمي ، ثم يحتج بذلك على جواز الضرب والطعن والرمي في غير سبيل اللّه ، بل على استحبابه ، ونظير من قال : إذا أمر اللّه بإنفاق المال في سبيله . دلّ على فضيلة المال ثم يحتج بذلك على جواز إنفاق المال أو استحبابه في غير سبيله ، ونظيره : قول من يقول : إذا أمر اللّه بالاستعفاف بالنكاح دل على فضيلة النساء ، ثم يحتج بذلك على جواز ما لم يأمر به من ذلك ، وكذلك كل ما يعين على طاعة اللّه ومحابه ومراضيه ، ولا يدل ذلك على أنه في نفسه محمود على الإطلاق ، حتى يحتج على أنه محمود حال كونه معينا على غير طاعة اللّه من البدع والفجور والمعاصي .
إذا ثبت هذا ؛ فتحسين الصوت ندب إليه ، وحمد الصوت الحسن لما تضمنه من الإعانة على ما يحبه اللّه من سماع القرآن ، ويحصل به من تنفيذ معانيه إلى القلوب ما يزيدها إيمانا ، ويقربها إلى ربها ، ويدنيها من محابه ، فالصوت الحسن بالقرآن منفذ لحقائق الإيمان ، معين على إيصالها إلى القلوب ، فكيف يجعل نظير الصوت الحسن بالغناء الذي ينبت النفاق في القلب ، وأخف أنواعه وأقلها شرا : « ما وضعته الزنادقة يصدون به الناس عن القرآن » ، فالصوت الحسن من هذا ينفذ حقائق النفاق والفجور والفسوق إلى القلب ؛ ولهذا يظهر في الأفعال وعلى اللسان ، فالسماع الشيطاني الذي يتقرب به أهله إلى اللّه ، ينفذ الصوت الحسن فيه حقائق النفاق إلى القلب ، والسماع الآخر الذي يعده أهله لهوا ولعبا ، ينفذ ما يكرهه اللّه من شهوات الفسوق إلى القلب فالاعتبار بحقائق المسموع ، والصوت الحسن آلة ومنفذ « 2 » .
باب : منه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » « 3 » . إما أن يريد به الحض على أصل الفعل ، هو نفس التغني به ، أو على صفته وهو أن يكون تغنيه إذا تغنى به لا بغيره « 4 » ، وهذا نظير ما حمل عليه قوله تعالى :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
[ المائدة : 49 ] ، هل هو أمر بأصل
هامش
( 1 ) النشاب : السهام .
( 2 ) الكلام على مسألة السماع ( 314 - 317 ) .
( 3 ) البخاري ( 7527 ) في التوحيد ، باب : قول اللّه تعالى :وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ . .، وأبو داود ( 1469 ) في الصلاة ، باب : استحباب الترتيل في الصلاة ، وأحمد ( 1 / 172 ) .
( 4 ) قال ابن الأعرابي : كانت العرب تتغنى بالركباني [ غناء الركباني وهو النشيد بالمد والتمطيط ] إذا ركبت الإبل ، وإذا جلست في الأفنية ، وعلى أكثر أحوالها ، فلما نزل القرآن أحب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يكون هجيراهم بالقرآن مكان التغني بالركباني . ( لسان العرب : غنا ) .