حادي القرآن عوض عن حادي السماع .
فتركب من هذه الأمور : إيثار منهم للسماع . ومحبة صادقة له . تزول الجبال عن أماكنها ولا تفارق قلوبهم ، إذ هو مثير عزماتهم ومحرك سواكنهم ، ومزعج بواطنهم .
فدواء صاحب مثل هذا الحال : أن ينقل بالتدريج إلى سماع القرآن بالأصوات الطيبة ، مع الإمعان في تفهم معانيه ، وتدبر خطابه قليلا قليلا ، إلى أن ينخلع من قلبه سماع الأبيات ، ويلبس محبة سماع الآيات ، ويصير ذوقه وشربه وحاله ووجده فيه ، فحينئذ يعلم هو من نفسه : أنه لم يكن على شيء ويتمثل حينئذ بقول القائل :
وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى * إلى غاية ما فوقها لي طلب
فلما تلاقينا وعاينت حسنها * تيقنت أني إنما كنت ألعب « 1 »
هل الأفضل قلة القراءة مع التدبر أو الكثرة بدونه ؟
قد اختلف الناس في الأفضل من الترتيل وقلة القراءة أو السرعة مع كثرة القراءة : أيهما أفضل ؟ على قولين .
فذهب ابن مسعود وابن عباس رضي اللّه عنهما وغيرهما إلى أن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من سرعة القراءة مع كثرتها .
واحتج أرباب هذا القول بأن المقصود من القراءة فهمه وتدبره ، والفقه فيه والعمل به ، وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه كما قال بعض السلف : نزل القرآن ليعمل به ، فاتخذوا تلاوته عملا ، ولهذا كان أهل القرآن هم العالمون به ، والعاملون بما فيه ، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب .
هامش
جماحها ، ولا حكمة تسكن حركتها بسكينة الاطمئنان إلى آثار أسماء اللّه وصفاته . فعندئذ يجد الشيطان الفرصة سانحة ، فيركب النفس البهيمية - وقد انسلخت من آيات ربها . ووهنت وضعفت بهذا الانسلاخ ، فاتخذها عدوها مطية . فكانت معه من الغاوين ، الذين ظنوا الفسوق طاعة ، والفجور تقوى ، والشرك توحيد ، وكثيرا جدا - بل ذلك نتيجة حتمية لهذا الانسلاخ وما استتبعه - نعم كثيرا جدا ما زاد إبليس في إضلالهم وإغوائهم ، فاتخذ لهم من آيات القرآن أغاني يوقعونها على نغم الموسيقى . فيزدادون عمى على عمى ، وضلالا وخسرانا باتخاذهم آيات اللّه ودينه هزوا ولعبا . وهيهات أن يرجى لهم مع هذا - وبعد هذا - إنابة أو رجعة صحيحة إلى صراط اللّه المستقيم .
وكل ذلك من ثمرات التقليد الأعمى الخبيثة . ومن آثار ما رمى به المجوس واليهود والمشركون المسلمين . ولا حول ولا قوة إلا باللّه العظيم .
( 1 ) مدارج السالكين ( 1 / 498 ، 499 )