تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « زينوا القرآن بأصواتكم » « 1 » وغلط من قال : إن هذا من المقلوب وإن المراد زينوا أصواتكم بالقرآن ، فهذا وإن كان حقا فالمراد تحسين الصوت بالقرآن . وصح عنه أنه قال : « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » « 2 » ووهم من فسره بالغنى الذي هو ضد الفقر من وجوه : أحدها : أن ذلك المعنى إنما يقال فيه استغنى لا تغنى . الثاني : أن تفسيره قد جاء في نفس الحديث يجهر به ، هذا لفظه ، قال أحمد : نحن أعلم بهذا من سفيان وإنما هو تحسين الصوت به يحسنه ما استطاع . الثالث : أن هذا المعنى لا يتبادر إلى الفهم من إطلاق هذا اللفظ ولو احتمله ، فكيف وبنية اللفظ لا تحتمله كما تقدم . وبعد هذا فإذا كان من التغني بالصوت ففيه معنيان : أحدهما : كجعله له مكان الغناء لأصحابه من محبته له ولهجه به كما يحب صاحب الغناء لغنائه ، والثاني : أنه يزينه بصوته ويحسنه ما استطاع كما يزين المتغنى غناءه بصوته ، وكثير من المحبين ماتوا عند سماع القرآن بالصوت الشجي ، فهؤلاء قتلى القرآن ، لا قتلى عشاق المردان والنسوان « 3 » .

المستمع للقرآن مستمع للّه عز وجلّ

من قرئ عليه القرآن فليقدر نفسه ، كأنما يسمعه من اللّه يخاطبه به . فإذا حصل له - مع ذلك - السماع به وله وفيه ؛ ازدحمت معاني المسموع ولطائفه وعجائبه على قلبه ، وازدلفت إليه بأيهما يبدأ ، فما شئت من علم وحكمة ، وتعرف وبصيرة ، وهداية وغيره « 4 » .

سماع الناس القرآن يوم القيامة

حرام على قلب قد تربى على غذاء السماع الشيطاني : أن يجد شيئا من ذلك في سماع القرآن ، بل إن حصل له نوع لذة ؛ فهن من قبل الصوت المشترك ، لا من قبل المعنى الخاص .
هامش
( 1 ) أبو داود ( 1468 ) في الصلاة ، باب : استحباب الترتيل في القراءة ، والنسائي ( 1015 ) في الافتتاح ، باب : تزيين القرآن بالصوت . ( 2 ) البخاري ( 7527 ) في التوحيد ، باب : قول اللّه تعالى :وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ( 13 ) . ( 3 ) روضة المحبين ( 252 - 254 ) . ( 4 ) مدارج السالكين ( 1 / 504 ) .