تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣

تدبر القرآن وكيفية ذلك

ورأس الأمر وعموده في ذلك ، إنما هو دوام التفكر وتدبر آيات اللّه ، حيث تستولي على الفكر وتشغل القلب . فإذا صارت معاني القرآن مكان الخواطر من قلبه وجلس على كرسيه ، وصار له التصرف ، وصار هو الأمير المطاع أمره ، فحينئذ يستقيم له سيره ، ويتضح له الطريق ، وتراه ساكنا وهو يباري الريح
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ
( 88 ) [ النمل ] . فإن قلت : إنك قد أشرت إلى مقام عظيم فافتح لي بابه ، واكشف لي حجابه ، وكيف تدبر القرآن وتفهمه والإشراف على عجائبه وكنوزه ؟ وهذه تفاسير الأئمة بأيدينا فهل في البيان غير ما ذكروه ؟ . قلت : سأضرب لك أمثالا تحتذى عليها ، وتجعلها إماما لك في هذا المقصد . قال اللّه تعالى :
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ
( 24 ) إلى قوله تعالى
الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ
[ الذاريات : 30 ] . فعهدي بك إذا قرأت هذه الآية وتطلعت إلى معناها وتدبرتها ، فإنما تطلع منها على أن الملائكة أتوا إبراهيم في صورة الأضياف يأكلون ويشربون ، وبشروه بغلام عليم ، وإنما امرأته عجبت من ذلك ، فأخبرتها الملائكة أن اللّه قال ذلك - ولم يتجاوز تدبرك غير ذلك . فاسمع الآن بعض ما في هذه الآيات من أنواع الأسرار . وكم قد تضمنت من الثناء على إبراهيم عليه السّلام . وكيف جمعت الضيافة وحقوقها . وما تضمنت من الرد على أهل الباطل من الفلاسفة والمعطلة . وكيف تضمنت علما عظيما من أعلام النبوة . وكيف تضمنت جميع صفات الكمال ، التي ردها إلى العلم والحكمة . وكيف أشارت إلى دليل إمكان المعاد بألطف إشارة وأوضحها ، ثم أفصحت وقوعه . وكيف تضمنت الإخبار عن عدل الرب وانتقامه من الأمم المكذبة .