تركيب الكلام ، ويكون الكلام به له معنى ما ، فإن هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن .
فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة ، ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق . وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر وكلام آخر ، فإنه لا يلزم أن يحتمله القرآن .
مثل قول بعضهم في قراءة من قرأ :
وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
[ النساء ] بالجر أنه قسم .
ومثل قول بعضهم في قوله تعالى :
وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ
[ البقرة : 217 ] أن المسجد مجرور بالعطف على الضمير المجرور في « به » .
ومثل قول بعضهم في قوله تعالى :
لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ
[ النساء : 162 ] أن المقيمين مجرور بواو القسم ، ونظائر ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا وأوهى بكثير .
بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه ، فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم ، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين ، فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها ، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به ، بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم ، فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي .
فتدبر هذه القاعدة ، ولتكن منك على بال ، فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها ، وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه . وسنزيد هذا إن شاء اللّه تعالى بيانا وبسطا في الكلام على أصول التفسير ، فهذا أصل من أصوله بل هو أهم أصوله « 1 » .
هامش
( 1 ) بدائع الفوائد ( 3 / 27 ، 28 )