تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨

موقف أهل الرأي من السنة

وأما المتعصبون فإنهم عكسوا القضية ونظروا في السنة فما وافق أقوالهم منها قبلوه ، وما خالفها تحيلوا في رده أو رد دلالته ، وإذا جاء نظير ذلك أو أضعف منه سندا ودلالة ، وكان يوافق قولهم قبلوه ولم يستجيزوا رده ، واعترضوا به على منازعيهم ، وأشاحوا وقرروا الاحتجاج بذلك السند ودلالته ، فإذا جاء ذلك السند بعينه أو أقوى منه ، ودلالته كدلالة ذلك أو أقوى منه في خلاف قولهم ، دفعوه ولم يقبلوه ، وسنذكر من هذا إن شاء اللّه طرفا عند ذكر غائلة التقليد وفساده ، والفرق بينه وبين الاتباع .

كلام أئمة الفقهاء عن الرأي

وقال بقي بن مخلد : ثنا سحنون والحارث بن مسكين ، عن القاسم ، عن مالك ، أنه كان يكثر أن يقول :
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
[ الجاثية : 32 ] . وقال القعنبي : دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه ، فسلمت عليه ، ثم جلست ، فرأيته يبكي ، فقلت له : يا أبا عبد الرحمن ، ما الذي يبكيك ؟ فقال لي : يا ابن قعنب ، وما لي لا أبكي ، ومن أحق بالبكاء مني ؟ واللّه لوددت أني ضربت بكل مسالة أفتيت فيها بالرأي سوطا ، وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليه ، وليتني لم أفت بالرأي . وقال ابن أبي داود : ثنا أحمد بن سنان ، قال : سمعت الشافعي يقول : مثل الذي ينظر في الرأي ، ثم يتوب منه مثل المجنون الذي عولج حتى برأ ، فأعقل ما يكون قد هاج به . وقال ابن أبي داود : حدثنا عبد اللّه بن أحمد بن حنبل ، قال : سمعت أبي يقول : لا تكاد ترى أحدا نظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل . وقال عبد اللّه بن أحمد أيضا : سمعت أبي يقول : الحديث الضعيف أحب إليّ من الرأي ، فقال عبد اللّه : سألت أبي عن الرجل يكون ببلد ، لا يجد فيه إلا صاحب حديث ، لا يعرف صحيحه من سقيمه ، وأصحاب رأي ، فتنزل به النازلة ، فقال أبي : يسأل أصحاب الحديث ، ولا يسأل أصحاب الرأي ، ضعيف الحديث أقوى من الرأي « 1 » .

النهي عن تفسير القرآن بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي

لا يجوز أن يحمل كلام اللّه عز وجلّ ويفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله
هامش
( 1 ) إعلام الموقعين ( 1 / 103 - 114 ) .