وقال تعالى :
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ
[ الأعراف : 101 ] ،
كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ
[ يونس : 74 ] ،
وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
[ الأعراف : 100 ] .
وأخبر - سبحانه - أن على بعض القلوب أقفالا تمنعها من أن تنفتح لدخول الهدى إليها ، وقال :
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
[ فصلت : 44 ] .
فهذا الوقر والعمى حال بينهم وبين أن يكون لهم هدى وشفاء .
وقال تعالى :
إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
[ الكهف : 57 ] .
وقال تعالى :
وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ
[ غافر : 37 ] قرأها الكوفيون « وصد » بضم الصاد ، حملا على ( زين ) . وقال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ
[ غافر ] .
وقال :
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
[ الأحقاف : 10 ] ، ومعلوم أنه لم ينف هدى البيان والدلالة الذي تقوم به الحجة فإنه حجته على عباده .
والقدرية ترد هذا كله إلى المتشابه ، وتجعله من متشابه القرآن ، وتتأوله على غير تأويله ، بل تتأوله بما يقطع ببطلانه وعدم إرادة المتكلم له ، كقول بعضهم : « المراد من ذلك تسمية العبد مهتديا وضالا » فجعلوا هداه وإضلاله مجرد تسمية العبد بذلك ، وهذا مما يعلم قطعا أنه لا يصح حمل هذه الآيات عليه ، وأنت تأملتها وجدتها لا تحتمل ما ذكروه البتة .
وليس في لغة أمة من الأمم ، فضلا عن أفصح اللغات وأكملها ، « هداه » بمعنى سماه مهتديا ، « وأضله » سماه ضالا ، وهل يصح أن يقال : « علمه » إذا سماه عالما ، و « فهمه » إذا سماه فهما ؟ !
وكيف يصح هذا في مثل قوله تعالى :
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 272 ] . فهل فهم أحد غير القدرية المحرفة للقرآن من هذا : ليس عليك تسميتهم مهتدين ، ولكن اللّه يسمي من يشاء مهتديا .
وهل فهم أحد قط من قوله تعالى :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
[ القصص : 56 ] لا تسميه مهتديا ولكن اللّه يسميه بهذا الاسم ؟ !
وهل فهم أحد من قول الداعي :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
( 6 ) [ الفاتحة ] وقوله : « اللهم اهدني من عندك » ونحوه ، اللهم : سمني مهتديا ؟