تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
وأنت إذا تأملت ما عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها من قبل التأويل تبينت أن هذا المثال صحيح . وأول من غير هذا الدواء الأعظم هم الخوارج ، ثم المعتزلة بعدهم ، ثم الأشعرية ، ثم الصوفية ، ثم جاء أبو حامد « 1 » فطم الوادي على القرى . هذا كلامه بلفظه . ولو ذهبنا نستوعب ما جناه التأويل على الدنيا والدين ، وما نال الأمم قديما وحديثا بسببه من الفساد ؛ لاستدعى ذلك عدة أسفار ، واللّه المستعان « 2 » . وأيضا إن بلاء الإسلام ومحنته عظمت من هاتين الطائفتين : أهل المكر والمخادعة ، والاحتيال في العمليات ، وأهل التحريف والسفسطة والقرمطة في العمليات ، وكل فساد في الدين - بل والدنيا - فمنشؤه من هاتين الطائفتين . فبالتأويل الباطل قتل عثمان رضي اللّه عنه وعاثت الأمة في دمائها ، وكفر بعضها بعضا ، وتفرقت على بضع وسبعين فرقة ، فجرى على الإسلام من تأويل هؤلاء ، وخداع هؤلاء ومكرهم ما جرى ، واستولت الطائفتان ، وقويت شوكتهما ، وعاقبوا من لم يوافقهم وأنكر عليهم ، ويأبى اللّه إلا أن يقيم لدينه من يذب عنه ، ويبين أعلامه وحقائقه ، لكيلا تبطل حجج اللّه وبيناته على عباده « 3 » .

أمثلة للتأويل الفاسد

[ 1 ] من هذا إخباره - سبحانه - بأنه طبع على قلوب الكافرين ، وختم عليها وأنه أصمها عن الحق وأعمى أبصارها عنه ، كما قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ
[ البقرة ] والوقف التام هنا ثم قال :
وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
[ البقرة : 7 ] كقوله :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً
[ الجاثية : 23 ] . وقال تعالى :
وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
[ النساء : 155 ] .
هامش
الأمم ، وفي الزوائد : « إسناد حديث عوف بن مالك فيه مقال . . . . إلخ » ، وأحمد ( 3 / 145 ) . ( 1 ) يعني الغزالي . ( 2 ) إعلام الموقعين ( 4 / 305 - 315 ) . ( 3 ) إغاثة اللهفان ( 2 / 120 ، 121 ) .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 342 | ابن قيم الجوزية