الأول أرجح لوجوه :
أحدها : أن الإضمار على خلاف الأصل ، فلا يصار إليه إلا إذا لم يمكن تصحيح الكلام بدونه .
الثاني : أن ذلك يستلزم إضمارين : أحدهما : أمرناهم بطاعتنا ، والثاني : فخالفونا أو عصونا ، ونحو ذلك .
الثالث : أن ما بعد الفاء في مثل هذا التركيب هو المأمور به نفسه . كقولك : أمرته ففعل ، وأمرته فقام ، وأمرته فركب ، لا يفهم المخاطب غير هذا .
الرابع : أنه - سبحانه - جعل سبب هلاك القرية أمره المذكور ، ومن المعلوم أن أمره بالطاعة والتوحيد لا يصلح أن يكون سبب الهلاك ، بل هو سبب للنجاة والفوز .
فإن قيل : أمره بالطاعة مع الفسق هو سبب الهلاك .
قيل : هذا يبطل بالوجه الخامس : وهو أن هذا الأمر لا يختص بالمترفين ، بل هو سبحانه يأمر بطاعته واتباع رسله ؛ المترفين وغيرهم ، فلا يصح تخصيص الأمر بالطاعة بالمترفين .
يوضحه الوجه السادس : أن الأمر لو كان الطاعة لكان هو نفس إرسال رسله إليهم .
ومعلوم أنه لا يحسن أن يقال : أرسلنا رسلنا إلى مترفيها ففسقوا فيها ، فإن الإرسال لو كان إلى المترفين لقال من عداهم : نحن لم يرسل إلينا .
السابع : أن إرادة اللّه - سبحانه - لإهلاك القرية إنما يكون بعد إرسال الرسل إليهم وتكذيبهم ، وإلا فقيل ذلك : هو لا يريد إهلاكهم ؛ لأنهم معذورون بغفلتهم وعدم بلوغ الرسالة إليهم . قال تعالى :
وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ
( 117 ) [ هود ] .
فإذا أرسل الرسل فكذبوهم يوم أراد إهلاكها ، فأمر رؤساءها ومترفيها أمرا كونيا قدريا لا شرعيا دينيا ، بالفسق في القرية ، فاجتمع أهلها على تكذيبهم ، وفسق رؤسائهم فحينئذ جاءها أمر اللّه وحق عليها قوله بالإهلاك .
والمقصود ذكر الأمر الكوني الديني ، ومن الديني قوله :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
[ النحل : 90 ] .
وقوله :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
[ النساء : 58 ] . وهو كثير .
وأما الإذن الكوني فكقوله تعالى :
وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ