تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
قلت : نعم واللّه ، وهما مجرد فضله ومنته ، وإنما يجعلهما في المحل الذي يليق بهما ويحبسهما عمن لا يصلح لهما ، فإن قلت : فما ذنب من لا يصلح ؟ قلت : أكثر ذنوبه أنه لا يصلح ؛ لأن صلاحيته بما اختاره لنفسه وآثره وأحبه من الضلال والغي على بصيرة من أمره ، فآثر هواه على حق ربه ومرضاته ، استحب العمى على الهدى ، وكان كفر المنعم عليه بصنوف النعم وجحد إلاهيته والشرك به والسعي في مساخطه أحب إليه من شكره وتوحيده والسعي في مرضاته ، فهذا من عدم صلاحيته لتوفيق خالقه ومالكه ، وأي ذنب فوق هذا ؟ فإذا أمسك الحكم العدل توفيقه عمن هذا شأنه كان قد عدل فيه وانسدت عليه أبواب الهداية ، وطرق الرشاد فأظلم قلبه فضاق عن دخول الإسلام والإيمان فيه ، لو جاءته كل آية لم تزده إلا ضلالا وكفرا . وإذا تأمل من شرح اللّه صدره للإسلام والإيمان هذا الآية ، وما تضمنته من أسرار التوحيد والقدر والعدل وعظمة شأن الربوبية صار لقلبه عبودية أخرى ، ومعرفة خاصة ، وعلم أنه عبد من كل وجه وبكل اعتبار ، وأن الرب تعالى رب كل شيء ومليكه من الأعيان والصفات الأفعال ، والأمر كله بيده والحمد له وأزمّة الأمور بيده ومرجعها كلها إليه . ولهذه الآية شأن فوق عقولنا وأجل من أفهامنا ، وأعظم مما قال فيها المتكلمون الذين ظلموها معناها ، وأنفسهم كانوا يظلمون تاللّه لقد غلظ عنها حجابهم وكثفت عنها أفهامهم ، ومنعتهم من الوصول إلى المراد بها أصولهم التي أصلوها وقواعدهم التي أسسوها . فإنها تضمنت إثبات التوحيد والعدل الذي بعث اللّه به رسله وأنزل به كتبه ، لا التوحيد والعدل الذي يقوله معطلو الصفات ، ونفاة القدر . وتضمنت إثبات الحكمة والقدرة والشرع والقدر والسبب والحكم والذنب والعقوبة ففتحت للقلب الصحيح بابا واسعا من معرفة الرب تعالى بأسمائه ، وصفات كماله ، ونعوت جلاله ، وحكمته في شرعه ، وقدره ، وعدله في عقابه ، وفضله في ثوابه . وتضمنت كمال توحيده وربوبيته وقيوميته وإلهيته ، وأن مصادر الأمور كلها عن محض إرادته ومردها إلى ممال حكمته ، وأن المهدي من خصه اللّه بهدايته - وشرح صدره لدينه وشريعته ، وأن الضال من جعل صدره ضيقا حرجا عن معرفته ، ومحبته ، كأنما يتصاعد في السماء ، وليس ذلك في قدرته ، وأن ذلك عدل في عقوبته لمن لم يقدره حق قدره وجحد كمال ربوبيته ، وكفر بنعمته ، وآثر عبادة الشيطان على عبوديته ، فسد عليه باب توفيقه وهدايته