فمهما كان الاستهزاء واللغو والصد ، وتكميم الأفواه الناطقة بالحق ، والداعية للحق ، وتخويفهم وترهيبهم ، ما هي في النهاية إلّا جعجعات بلا طحين ، مثل الزبد
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً
[ الرعد : 17 ] .
3 - الوقفة الثالثة : أ - متى نشأ مصطلح « علوم القرآن » ؟
- لعلنا في حاجة إلى التفرقة بين ظهور هذا المصطلح بتعريفه المبين في أول هذه المقدمة ، وبيان ظهور جل مباحثه منذ العهد الأول .
- وقد تكلم كثير من الباحثين في بدء ظهور هذا المصطلح « علوم القرآن » منهم السيوطي في الإتقان ، والزرقاني في « مناهل العرفان » .
- ووافق الزرقاني السيوطي وكلاهما تبعا للبلقيني في أن أول من تحدث بهذا هو الإمام الكبير الشافعي رضي اللّه عنه في حكاية « 1 » وردت من كتاب « تاريخ الشافعي » في القضية التي أثارها المبتدعة حول قولهم بخلق القرآن ،
كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً
[ الكهف : 5 ] .
فقد جاء فيها أن الرشيد سأل الشافعي : كيف علمت يا شافعي بكتاب اللّه عزّ وجلّ ؟ . . .
إلى أن قال ولكن إنما سألت عن كتاب اللّه المنزل على ابن عمي محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فقال الشافعي : إن علوم القرآن كثيرة ، فهل تسألني عن محكمه ومتشابهه ، أو عن تقديمه وتأخيره . . . إلخ .
وإن ثبت هذا ، فيكون درة نفيسة ، ويكون من فضل اللّه تعالى الذي لا حد له أن يجري على لسان الشافعي هذا التركيب حتى يزيده فضلا وشرفا .
فهو - كما مرّ - اشتهر بوضع أول القواعد لأصول الفقه وذلك في كتابه الأشهر « الرسالة » .
وهذا لا يمنع البوح بما في نفسي منذ زمن أن الرسالة نفسها إحدى قواعد : ( علوم القرآن ) كما هي قواعد لعلم : « أصول الفقه » .
هامش
( 1 ) لم يسعفني الوقت على تحقيق سندها وصحتها ، ولعل هذا استوفيه في مقدمة « معجم علوم القرآن » إن شاء اللّه تعالى .