بمواقعته صلّى اللّه عليه للشرك ، وقال تعالى :
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ
[ البقرة : 120 ] ، ولم يقتض ذلك علمه بأنّه يتّبع أهواءهم ، وقال تعالى :
* يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ
[ المائدة : 67 ] ، فحثّه وحضّه على أداء ما حمّل ، وقال له :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
[ الحجر : 94 ] ، ولم يوجب أن يكون تعالى قد علم من حاله صلّى اللّه عليه أنه سيترك البلاغ والصّدع بما أنزل ، بل المعلوم من حاله أنه سيفعل ذلك ويبالغ ويجتهد في حسن القيام به والحرص عليه ، فهذا إذا تجرّد لم يدلّ على أنّه لا يبلغ ما أنزل إليه ، فكيف به إذا انضمّ إليه قوله تعالى :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
[ التوبة : 128 ] ، في أمثال هذه الآيات ممّا خبّر فيها عن مناصحته صلّى اللّه عليه واجتهاده وإيذائه في اللّه جلّ وعزّ ، وكذلك تجرّد أمره للأمة بطلب العلم ونهيهم عن تضييعه لا يدلان على أنهم سيضيعونه ، فكيف بهم إذا انضمّ إليهما ما وصفناه من إخبار اللّه تعالى / ورسوله أنّهم لا [ 299 ] يزالون على الحقّ ظاهرين ، وأنّ دينهم ظاهر على الأديان وأنّه سيمكنه لهم ، في أمثال ذلك ، فإذا كان ذلك كذلك سقط ما توهّموه في هذا الفصل .
ثم يقال لهم : أليس قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه ما وصفتم ، وإنّ علمنا أنّ الأمة لم تعبد ولا أحد منهم عند غيبته عنهم في غزواته عجلا ولا وثنا ، ولم يقولوا ولا أحد منهم : يا محمد اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، ولا قالوا له : أرنا اللّه جهرة ولا أخذتهم الصاعقة .
فإذا قالوا : أجل ، قيل لهم : فما أنكرتم أيضا أن لا يكونوا حرّفوا القرآن ولا غيّروا نظمه ، وإن كان قد فعل ذلك أهل الكنائس وأنّه يجب لأجل ما وصفناه أن نعلم أنّه أراد سلوك سننهم في كثير من سيرتهم وأبواب دنياهم .