يغني عنهم شيئا ، وليس يجوز أن يعنى بهذه الأخبار إلا كتابا صحيحا لا يعنيهم شيئا ، لأنّ المسقط والمحرّف والمغيّر ليس بكتاب اللّه ، ولو تأملوا أيضا ما أغنى عنهم شيئا ، وهذا بيّن يوضح أنّ الكتاب باد ظاهر مستفيض عار من كلّ شبهة وتحريف ، على هذا دلّ قوله صلّى اللّه عليه : « لا تزال طائفة من أمّتي على الحقّ » في سائر الأخبار التي قدّمنا في صحة الإجماع ، ولو علم أنّ القرآن سيضيع عقيب موته ويحرّف ويغيّر ويبدّل حتّى لا تقوم به الحجة / [ 297 ] لكانت الأمة كلّها قد عرفت وعطّلت من قام للّه بحقه في حفظ الكتاب وحراسته .
وقد دلّ على هذا أيضا قوله :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[ الحجر : 9 ] وقوله تعالى :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
[ القيامة : 17 ] ، وقد بيّنا ذلك فيما سلف بما يغني عن ردّه ، وأنّه لو ضيّع القرآن وحرّف وصار إلى حدّ لا يعرف صحيحه من سقيمه لم يكن تعالى حافظا له ولا جامعا له على خلقه ، وكذلك قوله :
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
[ فصلت : 42 ] ، يوجب ذلك ويقتضيه .
فكذلك قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
[ التوبة : 33 ] ، وقوله :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
[ النور :
55 ] ، وهذان خبران من اللّه تعالى بأنه سيظهر دين الرسول صلّى اللّه عليه على الدين كلّه وأن يمكّنه ، ولو علم تعالى أنّ أصله وأسه ومعدنه سيذهب ويغيّر ويبدل ويحرف وتسقط الحجة به عقيب موته صلّى اللّه عليه لم يخبر بمثل هذا ، ولكان إخباره عن وهايته وعدم تمكّنه وشدة ضعفه ودروس أثره