صلّى اللّه عليه وسلّم حين حمي الوطيس في ذلك اليوم قبض قبضة من تراب وحثاه في وجوه المشركين وقال « شاهت الوجوه » فانهزم القوم بإذن اللّه ، ولم يقدر النبيّ عليه السلام أن يبلّغ رميته تلك ما بلغ ، وإنّ القوم ينهزمون ونظير هذا قول الرجل لغيره : ما أنت عملت ما عملت ، ولا أنت كلّمتني ولقيتني بهذا ، وإنّما فلان فعله بي ، وأنا فعلته بنفسي إذا كان قد أرشد إلى ذلك ومكّن منه وأعان عليه ، ومهّد أسبابه وإذا كان ذلك كذلك سقط ما توهّموه سقوطا / بيّنا ظاهرا .
قالوا : وممّا ورد في القرآن من الإحالة قوله :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ
[ النور : 45 ] قال الملحدون : وفي هذه الآية إحالة من وجوه .
أحدها : قوله أنّه خلق كلّ دابّة من ماء ، وليس الأمر كذلك لأنّ منها ما خلق من البيض والتراب دون النّظف والماء الدافق ، فبطل أن تكون كل دابّة من ماء .
ومنها حصره مشي جميعها على بطنها أو على رجلين أو على أربع ، وليس الأمر كذلك ، لأنّ فيها كثيرا يمشي على أكثر من أربع كالعنكبوت وكرخان الأذن والسرطان وغير ذلك فلا وجه لحصره المشي على قدر ما ذكره .
ومنها أنّه لا فائدة في ذكر هذا وإعلامنا إيّاه لأنّنا قد علمنا أنّ الدوابّ تمشي كذلك ، وأيّ فائدة في ذكره إلّا الحشو به والتشاغل بما لا معنى له ، قالوا على أنّه قال فمنهم ، وهذا كناية عن العقلاء ، وقوله : كلّ دابّة يدخل فيها ما يعقل وما لا يعقل .
يقال لهم : جميع ما ذكرتم لا يوجب القدح في القرآن . فأمّا قوله :
كُلَّ دَابَّةٍ
، فإنّ لفظة كل ليست موضوعة للاستغراق والعموم بل هي معرّضة للعموم والخصوص ، وكذلك جميع وسائر وأيّ ومن ، وكلّ لفظ يدّعي