فأمّا قوله :
فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ
يعني فلا يتعارفون في هذه المواطن أنسابهم ، وعلى هذا دلّ قوله :
يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ
[ الحج : 2 ] ، ويحتمل أن يكون أراد بقوله :
فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ
، فلا أنساب بينهم نافعة لهم ، ولا أنساب بينهم يتراحمون ويتعاطفون بها كتعاطف ذوي الأنساب / بعضهم على بعض في الدنيا ، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهّموه .
قالوا : ومن هذا أيضا قوله تعالى :
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ
[ النور :
25 ] ، وقد علم أنّ أكثر الأديان التي يوفّيها أهلها ليست بحقّ ، وهذا أيضا باطل من توهّمهم ، لأنّه لم يرد تعالى بالدين هاهنا الدينونة بالمذاهب والتديّن بالأقوال وإنّما أراد الحساب والجزاء ، من قولهم : كما تدين تدان ، أي كما تفعل يفعل بك ، ومنه :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
[ الفاتحة : 4 ] ، يعني يوم الجزاء والحساب ، ومنه قوله :
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ . . .
( إلى قوله )
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
[ التوبة : 36 ] أي : الحساب الصحيح ، وفي قوله : يوفّيهم اللّه دليل على ذلك ، لأنّه إنّما يوفّى العالمين جزاء اكتسابهم من ثواب أو عقاب .
قالوا : ومما لا معنى له قوله تعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] ، وكيف يكون اللّه هو الرامي والرسول لم يرم ، وهو الرامي على الحقيقة ، فيثبت الرمي لمن لم يكن منه وينفيه عمّن وقع منه ، يقال لهم : إنّما أراد بذلك - واللّه أعلم - أنّني أنا المقدّر لك على الرمي والموفّق لك فيه ، والتبليغ برميك ما لم تظنّ أنّك تبلغه بها ، فأضاف الرمي إلى نفسه على هذا التأويل ، ونفاه عن نبيّه على معنى نفي إقداره لنفسه وتوفيقه لها وبلوغه بالرّمية ما قيّضه اللّه من هزيمة العسكر يوم بدر ، وذلك أنّ النبيّ