تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 751

مساهمون:

ص٧٥١
وأمّا التعلّق بقوله :
وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ
فمعناه - واللّه أعلم - أنّني لو كنت أعلم الغيب لكنت إلها قديما ، والقديم لا يناله السوء ولا يلحقه نقص ولا تغيير . ويمكن أن يكون أراد أنّني لو كنت أعلم الغيب لنجوت من الحوادث والنّوازل أو اعتددت لكلّ أمر عتاده وما يدفعه ويزيله . ويحتمل أيضا أن يكون أراد أنّني لو كنت أعلم أجلي ووقت موتي وقربه لأكثرت الطاعة للّه والجهاد في سبيله ، وإنّما أؤخّر بعض ذلك لإخفاء وقت أجلي ، وليس يمتنع أن يستكثر من الخير من لا يعلم الغيب على غلبة ظنّه وقوّة حدسه أو الاحتياط والتحرّر ، وإن صحّ أن يستكثر من الخير من قد علم حاله واطّلع على ما يكون منه فلا تناقض في هذا . وقد قيل إنّ السوء المذكور هاهنا هو الخبال والجنون ، ومنه قوله تعالى :
إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ
[ هود : 54 ] قيل : بخبال وجنون نسبوه إليه فكأنّه قال : لو كنت أعلم الغيب ما مسّني من المرض والنوم والآفات المستغرقة القاطعة عن التمييز وما يجري مجرى السوء الذي هو الخبال . قالوا : ومن هذا أيضا قوله :
رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
[ المؤمنون : 94 ] ، وكيف يجعله مع الظالمين وهو قد نهاه عن الظلم وعن الكون مع الظالمين ، يقال لهم : قد بيّنا الكلام في هذا في باب خلق الأفعال والتعديل والتجويز بما يغني الناظر فيه ، وقد يجوز أن يجعله اللّه مع الظالمين بأن يضلّه ولا يلطف له ويحرمه التوفيق ، وذلك عدل منه وصواب في حكمته ، وإنّما أمره بأن يرغب إليه في التثبيت على الإيمان وأن لا / يزيغ قلبه بجواز وقوع ذلك منه تعالى .