صدقه بحضرة من ينكر ذلك ويدفعه ، وربّما قال له ذلك في الأمر الشائع الذائع ليجعل له طريقا إلى سؤال الناس وإخبارهم بما عندهم من العلم في ذلك الأمر ليزول ذلك الشكّ ويقوى سلطان الحجّة ، وتبطل الشبهة .
والقوم أعني قريشا ، ومن خالف الرسول كانوا يقولون له فيما نقلوه إفك افتراه ، وإفك مفترى ومحدّث ومجنون ، وإن هذا إلا خلق الأوّلين ، وشاعر مجنون ، فقال له :
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ
، ليجعل له ذريعة إلى ذلك ، ومطالبة علمائهم مثل عبد اللّه بن سلام وغيره بما في كتابهم من ذلك تصديقا لقوله أنّنا قد أبنّا بذلك من كان قبلك ، ولم يقل إنّك شاك فيما أنزل عليك .
ويوضّح هذا أيضا أنّ القائل قد يقول لمن يعلم بتيقّنه ظلم زيد وجهله وتخليطه وأنّه لا شكّ في ذلك : إن كنت في شكّ من ظلم زيد فعامله لتنظر ، وإن كنت في شك من تخليط فلان وخبطه فقاوله وناظره ، وإن كنت في شكّ من هول البخر فاركبه ، وإن كنت في شكّ من جود فلان أو بخله فمن يعرف حاله فسله والتمس منه لتعلم ردّه أو إجابته ، في أمثال هذا ممّا قد ظهر استعماله بينهم ، فعلى هذا الوجه ورد قوله :
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ
.
وقد يمكن أن يكون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ظنّ أنّ بعض ما أنزل إليه من العبادات أو بعض ما قصّ عليه قد أنزل على موسى ، وأحبّ اللّه أن يقطع شكّه في ذلك فقال : فإن كنت في شكّ مما أنزل إليك في أنّه منزل على موسى ومن كان قبلك فسلهم عن ذلك ليخبروك عنه ، فيزول شكّك ، وقد يكون من مصالحه ومصالح أمّته أو بعضها الأمر بسؤال / أهل الكتاب عمّا يشكّ عليه السلام في أنّه منزل عليهم ، وربّما كان ذلك تقوية ليقين غيره إذا عرفه ، فلم يرد بذلك الشكّ في أنّه من عند اللّه ، وإنّما أراد الشكّ في أنّه منزل على غيره أم لا .