يخرج فلم يخرج وحبس بغير مشيئته كان كاذبا في تمدحه بقوله : ما يخرج فلان إلا أن أشاء وإذا شئت إطلاقه أطلق ، فهذه الآيات دالة على صحة ما نقوله ونذهب إليه ، وعلى إبطال ظن الملحدة والقدريّة .
وأما تعلّقهم بقوله :
وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
[ النساء : 39 ] ، وقوله :
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ الانشقاق : 20 ] ونحو ذلك ، فإنّه غير معارض لإخباره بإضلالهم والطبع على قلوبهم ، لأنّه إنّما ورد ذلك على مذهب الترغيب والحثّ لهم على اكتساب الإيمان ، وليس بين ترغيبهم وحثّهم على اكتساب الإيمان بالقول وبين إضلاله لهم بالفعل تنافي ولا تضاد .
ويمكن أيضا أن يكون إنّما قال ذلك على وجه الردّ لقول من يقول إنّهم ممنوعون من فعل الإيمان لعجز وآفة ، وغير قادرين عليه ، ولا على تركه ، وأنّهم مجبرون على الكفر الذي وقع منهم ، فأخبر أنّهم غير ممنوعين ولا مجبرين ، وأنّهم مختارون لترك / الإيمان ومؤثرون للكفر عليه ، وأنّ ما كان منهم لم يكن على وجه الجبر والاضطهاد ، وذلك غير مناف لإخباره بإضلالهم ، وإن كانوا مختارين ومؤثرين له ، فبطل ما توهّموه .
فأمّا تعلّقهم في ذلك بذمّ العصاة ونهيهم عن المعاصي ، وأنّه لا ينهى عمّا قضى وقدّر وخلق وينهى عنه ، فإنّه باطل لأنّه لم ينه العصاة عن خلق معاصيهم وإيجادها وتقديرها ، لأنّ ذلك ممّا لا يصحّ منهم فعله ولا تركه ولا يدخل تحت قدرهم ، وإنّما ينهاهم عن اكتساب ما خلقه وهم على ذلك قادرون ولما خلقه فيهم مكتسبون ، وأثابهم وعاقبهم على اكتسابهم للأفعال التي هي متعلقة بهم ، فالثواب على الخلق ، والعقاب والذمّ عليه ليس يتوجه من حيث كان خلقا غير متعلّق بالمكلف ، ولكن من حيث كان كسبا مقدورا