تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 682

مساهمون:

ص٦٨٢
شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
إنّما أخرج على وجه الزجر والتهديد ، وعلى نحو قوله :
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ
[ فصلت : 40 ] ولم يرد به التخيير لهم بين الكفر والإيمان ، ولا الإخبار عن كونهم مخيرين في ذلك ، ورد المشيئة إليهم ، وقد روي عن ابن عباس أنّه قال : « فمن شاء اللّه له الإيمان فليؤمن بمشيئته ، ومن شاء اللّه له الكفر فليكفر بمشيئته » . فأمّا قوله :
فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا
،
فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً
، فإنّه غير معارض لإخباره بأنّ الأشياء كلّها كائنة بإرادته ، ومشيئته ، لأنّه قد خبّر في آيات أخر أنّ هذه المشيئة التي ذكرها وأثبتها لهم لا تكون وتوجد أو يشاء لهم كون ما أرادوه ، ولا أن يشاء لهم أن يسوء ذلك الشيء فقال سبحانه :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الإنسان : 30 ] فأخبر أنّهم لا يشاءون شيئا إلا أن يشاء لهم أن يشاءوه ، وقد يشاء مشيئتهم للشيء وإن لم يشاءوا ما شاءوه بأن يكون شائيا لتمنّيهم لذلك الشيء ، وإن لم يكن متمنيا لهم ، وقال سبحانه :
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
[ التكوير : 28 - 29 ] ، فنصّ لهم على أنّهم لا يشاءون الاستقامة حتى يشاء لهم ، وفي ضمن / هاتين الآيتين أنّني إذا شئت لكم أن تشاءوا الإيمان شئتموه لا محالة ، وإلا فلا وجه لتمدحه بقوله :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
، وقوله :
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ
،
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
، ولأنّهم إذا شاءوا الاستقامة على ما يقول المعتزلة فلم يشاءوا ما شاء لهم أن يشاءوا لم يكن لقوله :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
معنى ، لأنّه قد شاء اللّه عندهم أن يشاءوا ذلك ، فلا يشأه ، والمعقول من قول القائل : ما يطلق فلان من محبسه إلا أن أشاء ، أي : إذا شئت أن يطلق أطلق لا محالة ، وأنّ كونه في الحبس لا يكون إلا بمشيئته ، وإلا فإذا شاء أن