إخباره بأنّه خلق الوكزة وما كان عندها ، وذلك أنّه إنّما أراد بقوله :
هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
أنّه يأمر به الشيطان ويزيّنه ويدعو إليه ولم يرد أنّ الوكزة من خلق الشيطان وفعله وتقديره ، وكيف يقول ذلك وهذا جهل ممن صار إليه وقاله ، وليس مذهب لأحد ، وليس يجب إذا نسبة ذلك إلى الشيطان ، على أنّه من دينه وما يدعو إليه ، أن يكون ذلك منافيا لإضافة خلقه وتقديره إلى اللّه ، فثبت أنّه لا حجّة لملحد ولا لقدريّ في التعلّق بهذه الآية .
فأمّا تعلّق الملحدة والقدريّة بقوله تعالى :
وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ
[ الزمر : 7 ] ، وقوله :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ
[ البقرة : 205 ] ، وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا
[ النور : 19 ] الآية ، فإنّه لا تعلّق لهم أيضا فيه ، لأنّه أراد بالآيتين المتقدمتين أنّه لا يحبّ الفساد لأهل الصّلاح ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر ، ولم يرد أنّه لا يرضاه لأحد من خلقه ولا يحبّه من أحد منهم ، وكيف يكون ذلك كذلك وهو يقول :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ
[ الأنعام : 112 ] ، ويقول :
وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً
[ الأنعام : 125 ] ، ويقول :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا
[ الأنعام :
107 ] ، فدلت هذه الأخبار على أنّه لم يرض / لعباده المؤمنين الكفر ، ولا يحبّ منهم الفساد ، وإن كان قد أحبّ ذلك ورضيه لأهل الكفر والفساد ، ومن نحو هذا قوله :
عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ
[ الإنسان : 6 ] ، وقوله :
يا عِبادِ فَاتَّقُونِ
[ الزمر : 16 ] ، وقوله :
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
[ آل عمران :
173 ] ، وكل هذا على الخصوص دون العموم ، وكذلك حكم الآيتين .
ويمكن أيضا أن يكون إنّما أراد واللّه لا يحب الفساد أن يكون صلاحا ودينا مشروعا ، ولا يرضى لعباده الكفر أن يكون دينا لهم وشرعا مأذونا فيه ، وأنّه رضي أن يكون قبيحا مذموما فسقط بذلك ما قالوه .