تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 686

مساهمون:

ص٦٨٦
الانتصار لباطله وبمجيئه حقّ خصمه ، وكيف يكون من هذه حاله ممنوعا من النّظر ومحالا بينه وبين صحيح الفكر والرؤية . وإذا كان ذلك كذلك كان جميع ما أخبر اللّه أنه فعله بالكافرين من الختم والطبع والإضلال لم يصرفهم إلى حال العجزة الممنوعين والأطفال المنتقصين ، ولا إلى صفة المكرهين المجبرين على فعل ما نهوا عنه ، وكونهم غير قادرين عليه ، ومؤثرين له على ضده حسن ، لأجل ذلك أن يقول لهم :
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
،
وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ
،
وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ
،
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا
، أي أنّ ما فعلته من ذلك ليس بعجز عمّا كلّفوه ولا منع لهم ولا مبطل لكمال عقولهم وآلتهم ولا رافع لقدرهم على فعل ما دخلوا فيه ، وترك ما أمروا به ، وهذا بيّن في إبطال ما توهّمه الفريقان ، فإن قالت الملحدة والقدرية : فالإنسان المختوم على قلبه الذي خلق في قلبه الكفر وضدّ الحق قادر عندكم على الحقّ وعلى فعل الإيمان حتى يصح أن يوبّخ على تركه ويستبطىء في تأخره عنه . قيل لهم : إنّ نفس قدرتهم على الكفر هي قدرة على الإيمان وإنّها تصلح للضدين وتكون قدرة / على الفعلين الخلافين ، وإنّما يكتسب بها ما تؤثر القادر على الفعل دون الذي يأباه ويكرهه . فإن قالوا : فكان يمكنه أن يفعل بقدرة الكفر الإيمان ، قيل لهم : أجل على هذا الجواب ، غير أنّه اختار الكفر على الإيمان ، فتصرّف بقدرته في فعل أحد مقدوريه ، وإذا كان ذلك كذلك زال جميع ما تشبعون به وتشنعون . فإن قالوا : أفيمكنه أن يجمع بقدرته بين الإيمان والكفر الذي اكتسبه وخلق فيه ، قيل لهم : لا ، كما لا يمكنه عندكم أن يجمع بين الإيمان والكفر