لهم ، ولم يرد خلق الضلال فيهم على وجه الابتداء والجزاء ، فبان أنّه لا تعلّق لملحد ولا لقدري في ذلك .
وأمّا تعلّقهم بقوله تعالى :
* وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
[ الإسراء :
23 ] ، وإنّ هذا نقض لإخباره أنّه خلق المعاصي وقدّرها ، وأضلّ أهل الضلال ، وختم على قلوبهم ، فإنّه ليس الأمر فيه على ما توهّمه الملحدون والقدريّة في هذا الباب ، وذلك أنّه إنّما أراد بهذا القضاء الأمر بعبادته والوصية بذلك ، وذكر أنّ عبد اللّه بن مسعود كان يقرأ « ووصى ربّك ألا تعبدوا إلا إياه » ، وأنّه كذلك مثبت في مصحفه ، وهذه الوصيّة عامة للكافرين والمؤمنين ، وذلك لا ينقض أن يكون قد قضى معاصيه والكفر به على معنى الخلق لذلك ، والإعلام لكونه ، والكتابة له ، والقضاء يكون بمعنى الأمر وهو قوله
* وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
، أي : أمر ربّك ، ويكون بمعنى الخلق والإيجاد ، نحو قوله :
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ
[ فصلت : 12 ] أي : خلقهنّ ، ونحو قوله :
فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ
[ سبأ : 14 ] يريد خلقنا موته ، وقد قيل القضاء نفسه بمعنى الموت ومنه / قولهم : نزل به قضاء اللّه ، وقضى فلان نحبه إذا مات ، ويكون القضاء بمعنى الإعلام والإخبار قال اللّه تعالى :
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً
[ الإسراء : 4 ] ، أي : أعلمناهم وأخبرناهم في الكتاب كقوله :
* وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
إنّما يعني به أنّه أمر بذلك ، وهذا لا ينفي قضاءه للكفر ، والخلاف على معنى التقدير والخلق والإيجاد فبطل توهّمهم وتوهّم القدريّ لانتفاعه بهذه الآية .
وأما تعلّقهم بقوله :
فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
[ القصص : 15 ] فإنّه أيضا لا معارضة بينه وبين إضافة ذلك إلى اللّه تعالى وبين