وقوله :
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى
أي غير عارف بشريعة بعينها قامت بها الحجّة لحصول الفترة والذهاب عن العلم ، فذلك ذهاب عن أمر من الصواب ؛ الواجب على من علمه وقامت الحجّة عليه به وإن لم يكلّفه عليه السلام مع الفترة ، وليس كل ضلال مذموما بنفس الاسم وبكونه ضلالا ، وإنّما المذموم من ذلك ما حظره اللّه ونهى عنه ؛ ولذلك نقول قد ضلّ زيد عن الرأي ، وذهب عليه رشده وإن لم يقصد بذلك ذمه ، بل الإخبار عن ذهابه عمّا قصده فقط ، وربّما كان قصده التذكير على المؤمنين .
فأمّا قوله :
فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ
[ الشعراء : 20 ] ، فليس فيه دلالة على أنّه كان من الغافلين عمّا فعله ، بل لا ينكر عندنا أن يقع منه الذنب على وجه العمد وإن كان مغفورا ، ويمكن أن يكون وقع عن عفلة وسهو ، أعني القتل ولكن ليس حجّة ذلك قوله : وأنا من الضالين بل شيء آخر إن دلّ على ذلك ، وكل شيء يسمّى ضلالا فإنّ هذا أصله وهو مأخوذ منه ومشبّه به .
فأمّا الإضلال فإنّه غير الضلال وهو متعلق بالمضلّ للضالّ دون الضال بقدرته ، وإن قيل أحيانا زيد قد أضلّ نفسه بكفره وخلافه عن الحقّ ، فعلى وجه التشبيه بإضلال غيره له ، والإضلال الحقيقي الذي هذه الأسماء اسم له قولنا إغواء وتزيين للباطل وتقبيح الحق ، إنّما هو الحيلولة بين المرء وقلبه وإزاغة القلوب عن الحق ، وخلق الباطل فيها الذي / هو اعتقاد غير الحق .
وقولنا ختم وطبع وغشاوة وصمّ وعمي وسدّا إنّما هو عبارة عن هذا الاسم من المفعول في القلوب والمضاد لاعتقاد الحقّ والصواب ، واللّه هو المنفرد بخلق ذلك في قسمه لنا به ، وعدل عليه في حكمه وقضائه ، والمتفرد بالقدرة على تقليب القلوب والحيلولة بين أصحابها وبينها ، والقدرة على خلق ضدّ الحقّ فيها لا يشركه في القدرة على إغواء القلوب