عن الحق ، وسعر هو نفس ضلالهم عن الحق ، وإنّما سمّى أعمالهم سعرا على معنى أنّه يستحق بها الكون في السعير ، كما قال :
فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ
[ البقرة : 175 ] ، يعني على عمل أهل النّار فلا حجّة في الآية ، وعلى أنّه لو كان الأمر على ما ذكروه لصار تقدير الكلام إنّ المجرمين في عذاب لأنّ السعير نفسه عذاب ، وهو يغني عن ذكر العذاب ، وهذا مستثقل مستغث من الكلام ، فوجب أن يكون قوله : في ضلال يعني ذهاب عن الحقّ ، وفي سعر من أعمالهم هذه ، أو سيكون في سعر يوم القيامة ، وعلى أنّه سمّى العذاب ضلالا فعلى معنى أنّه ذاهب بصاحبه عن الثواب واللذّات ، فهو راجع إلى الذهاب عن الجنّة على وجه الشبه بالذهاب عن الحقّ ، والأمر المقصود الذي فيه السلامة والنجاة .
وقيل إنّ الضلال يكون بمعنى الهلاك بدلالة قوله :
أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ
[ السجدة : 10 ] أي : هلكنا ، وقد يمكن أيضا أن يكون ضلالهم في الأرض ذهاب عن مواضع مقصودة فيها المصالح والرشاد وإن سلّم أنّ الضلال بمعنى الهلاك والبلى في القبور ، فذلك غير ضار ولا نافع للملحد ولا لقدريّ على ما سنبينه إن شاء اللّه ، وقيل إنّ الضلال يكون بمعنى الغفلة ، ومنه قوله :
أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما
[ البقرة : 282 ] ، / وقوله :
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى
[ الضحى : 7 ] أي : تغفل إحداهما ، ووجدك غافلا على النبوّة ، فهداك إليها وشرّف قدرك بها ، وهذا أيضا عائد إلى معنى الذهاب عن الشيء وذلك أن غفلة إحداهما التي خيفت إنّما هو ذهابها عن ذكر الحقّ وإقامة الشهادة عليه بحسب الصواب ، وما يجب في التحمّل والأداء ، والذهاب عن ذلك بالغفلة ذهاب عن الحق ، كما أنّ الذهاب عنه بالقصد والاعتماد ذهاب عن الحق ، غير أن إحداهما معتمد ، والآخر غير معتمد .