وقد اعترف السيوطي بقصور مدده عن مجاراة أمثال هؤلاء المؤرخين ، فقال في مقدمة كتابه ( بدائع الزهور في وقائع الدهور ) : « واعلم أن مددي قاصر عن ذلك بالنسبة إلى المؤرخين » « 1 » .
ومما يلفت النظر أيضا ما ذكره في أثناء حديثه عما أنعم اللّه به عليه من العلوم وترتيبها بحيث جعل براعته في الإنشاء والترسل دون غيرها .
وهو لا يقصد أن بضاعته في هذا العلم مزجاة ، أو ضعيفة ، وإنما قصد أنه لا يجاري في هذا المضمار أرباب هذا الفن أيضا ، أمثال الشهاب محمود « 2 » وابن عبد الظاهر « 3 » ، وابن فضل اللّه « 4 » ، وغيرهم .
وقد صرح بذلك في أثناء حديثه عن نفسه فقال : « فلا أقول إن مرتبتي في الإنشاء والترسّل تبلغ مرتبة الشهاب محمود ، ولا ابن عبد الظاهر ، ولا ابن فضل اللّه ، بل هي دون ذلك في حد التوسط » « 5 » .
وهذا أمر طبيعي ، لرجل كالسيوطي ، الذي كان أكبر همّه هو كثرة التأليف والتصنيف - كما سيأتي - وطول الاشتغال بالعلم ، وممارسة التأليف لا تترك
هامش
( 1 ) السيوطي ، بدائع الزهور في وقائع الدهور ، نسخة مخطوطة محفوظة بدار الكتب الوطنية التونسية رقم ( 8565 ) ق 1 / ب ( المقدمة ) .
( 2 ) هو شهاب الدين محمود بن سليمان بن فهد الحلبي ، علّامة الأدب ، وعلم البلاغيين كاتب السر بدمشق ، ولد سنة ( 644 ه / 1246 م ) وتوفي ( 725 ه / 1325 م ) انظر : الذهبي ، العبر في خبر من غبر ( ط 1 دار الكتب العلمية ، بيروت : 1985 م ) 4 / 73 - 74 .
( 3 ) هو محي الدين عبد اللّه بن عبد الظاهر بن نشوان المصري الأديب ، كاتب الإنشاء وأحد البلغاء ، توفي بمصر ( 692 ه / 1293 م ) الذهبي ، العبر : 3 / 378 ، شذرات الذهب : 5 / 421 .
( 4 ) هو أحمد بن يحيى بن فضل اللّه العمري ، القاضي الإمام الأديب البارع ولد بدمشق سنة ( 700 ه / 1300 م ) وتوفي سنة ( 749 ه / 1349 م ) العبر : 4 / 152 ، شذرات الذهب : 6 / 160 .
( 5 ) التحدث بنعمة اللّه : 203 ، وانظر بهجة العابدين ق : 15 / ب .