تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام السيوطي وجهوده في علوم القرآن — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
و ( ما ) في قوله ( ما كانوا ) هو العذاب الذي كانوا يكذبون به ويستهزءون بأمره ، والضمير في بهم عائد على الكفار بلا خلاف . فإن قلت : ما معنى ترادف هذه الفاءات في هذه الآية ؟ قلت : أمّا قوله :
فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ غافر : 82 ] فهو نتيجة قوله
كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ
[ غافر : 82 ] ، وأما قوله :
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا
[ غافر : 83 ] ، كقولك : رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء ، وأما قوله :
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا
[ غافر : 84 ] فكذلك
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ
[ غافر : 85 ] تابع لإيمانهم لمّا رأوا بأس اللّه . هنا ينتهي كلام السيوطي في الإجابة عن هذا السؤال ، ثم ينتهز المناسبة للموعظة والتذكير فيقول : « فحقّ لمن سمع هذه الموعظة أن يبادر إلى الطاعة ، ولا يتأنّى . بلى واللّه وقعت منا المخالفة ، وقتلنا أنفسنا بالمعاصي بئس ما اخترنا ! كم وعظنا المشيب ولا قبلنا ، علمنا أن الدنيا ثلاثة أنفاس : نفس مضى عملنا فيه ما عملنا ، ونفس لا ندري أنملكه أم لا ، فليس لنا إلا النّفس الذي نحن فيه . حرصنا على درهم لا ندري لمن يبقى ، ومزّقنا ثوب المعاصي ولم نكفّه بتوبة ، فما أسرع الملتقى أليس هذا من العمى ؟ إذا شغلنا بالجنة خسرنا ، فكيف يكون حالنا وقد شغلتنا المعاصي عن الإقبال عليه . بئس ما استنفدنا زمان الصبا في المعاصي واللهو ، ولم ننته في الكبر عن لهونا ، ولو تبنا لحق لنا البكاء ، فكيف وقد انهمكنا ! إذا تاب الشيخ يقول اللّه عز وجل : الآن جئتنا حين ضعفت مفاصلك ، الآن وقد ذهبت قوتك ، الآن وقد نفد عمرك ، الآن وقد قسا بالمعاصي قلبك ، الآن وقد ضاع في البطالة وقتك ، هذا لمن تاب ، فكيف حال من هو في قفص الطبع محجوب عن العتاب ، نعقد عقد التوبة بخيط العنكبوت ظاهرا ، وباطنا نتلذّذ بها ، فكيف لا نحلّها ؟ لو صدقت التوبة منا لوجدنا مرارتها ، كما وجدنا حلاوتها . إلهي التوبة لا تدوم لي ، والمعصية لا تنصرف عني ، ولا أدري بم تختم لي ، غير أنّ عفوك ورجاءك أطمعني أن أسألك ما لا أستوجبه منك فهب لي