أحسنه » « 1 » وهذا ما يدعوني للحديث عن طريقة معرفة المناسبات بين الآيات والسور :
فذكر الآية بعد الأخرى إما أن يكون ظاهر الارتباط ، لتعلق الكلم بعضه ببعض فهذا واضح .
وإما ألا يظهر الارتباط ، بحيث تكون كل جملة مستقلة عن الأخرى فإما أن تكون معطوفة على الأولى بحرف من حروف العطف أو لا ، فإن كانت معطوفة فلا بد أن يكون بينهما جهة جامعة ، وإن لم تكن هناك جهة جامعة تقابلت تقابل الأضداد ، كذكر الرحمة بعد ذكر العذاب ، ووصف الجنة بعد وصف النار ، وتوجيه القلوب بعد تحريك العقول . وإن لم تكن معطوفة : فلا بد من دعامة تؤذن باتصال الكلام ، كإلحاق النظير بالنظير أو المضادة ، كحديثه عن المؤمنين في أول سورة البقرة ثم عقب ذلك بحديثه عن الكافرين ، ليثبت المؤمنون على إيمانهم لأنه « وبضدّها تتميّز الأشياء » ، أو الاستطراد كقوله تعالى
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ
[ الأعراف : 26 ] . فهذه الآية كما يقول الزمخشري واردة على سبيل الاستطراد ، عقب ذكر بدو السوءات وخصف الورق عليهما إظهارا للمنّة فيما خلق من اللباس ، ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة ، وإشعارا بأن الستر باب عظيم من أبواب التقوى « 2 » .
ويقرب من الاستطراد حسن التخلص وهو : أن ينتقل مما ابتدئ به الكلام إلى المقصود على وجه سهل يختلسه اختلاسا ، دقيق المعنى بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع عليه الثاني لشدة الالتئام بينهما ، فمثلا في سورة الشعراء : [ 87 ] حكى اللّه تعالى قول إبراهيم
وَلا تُخْزِنِي
هامش
( 1 ) البرهان : 1 / 133 ، والإتقان : 2 / 977 .
( 2 ) الزمخشري ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ( ط دار المعرفة ، بيروت : د . ت ) 2 / 74 .