ومهما يكن كذلك من أمر الخصومة بين السيوطي وأنصاره ، وبين السخاوي وأنصاره فإن المعاصرة - كما قيل - حجاب بين المتعاصرين ، كما أن الاتهامات التي تبادلها الفريقان لم تخل من مبالغات ، وإن كثيرا مما وجه للسيوطي أثبتت الأيام بطلانه ، وقد صبر على أذى قومه واحتسب ذلك عند اللّه ، اقتدى في ذلك بالسلف الصالح الذين تعرضوا للأذى في أزمانهم وقد ظهر الحق ببقاء كلام هؤلاء الأئمة وانتشاره ، وظهوره واضمحلال من رد عليهم ، وطمس ذلك ودثوره « 1 » ، وكان يعد من نعم اللّه عليه إيذاء الناس له وعداوته ، وقد عقد فصلا خاصا في كتابه التحدث بنعمة اللّه قال فيه : « مما أنعم اللّه به عليّ هو أن الجماعة انتصبوا عداوتي وآذوني ، وذلك ليكون لي أسوة بالأنبياء والمرسلين » « 2 » وقد انتصر للسيوطي من بعده الشوكاني في ترجمته له ، وفنّد جميع ما وجهه إليه السخاوي ورد عليه ردا بليغا ، وتعقب اتهاماته بالدفاع القوي وبيّن أن ما بلغه السيوطي من المكانة العلمية وما ادعاه من الاجتهاد كان سببا في هذه الخصومات وهذا أمر طبيعي لمن بلغ هذه المرتبة فقال : « وما زال دأب الناس مع من بلغ إلى تلك الرتبة . . أنها جرت عادة اللّه سبحانه - كما يدل عليه الاستقراء - برفع شأن من عودي بسبب علمه وتصريحه بالحق ،
هامش
- بيروت ) 1 / 46 . وانظر اللكنوي ، الفوائد البهية في تراجم الحنفية ( ط . دار المعرفة ، بيروت ) ص : 13 ( حاشية ) ، والتعليق الممجد على موطأ محمد للكنوي أيضا ( ط كراتشي ) ص 25 ( حاشية ) . وقد أكد ذلك محمد بن عبد الرحمن البكري ( ت 1028 ه / 1618 م ) في كتابه ( الاجتهاد المطلق ) فقال : « وادعاه لنفسه أقوام ظهرت أمارات صدقهم ومن آخرهم السيوطي ، فإنه كان المنفرد بنشر لواء الاجتهاد في زمانه » . انظر محمد البكري ، الاجتهاد المطلق ، تحقيق سليم فهد شبعانية ( ط دار المعرفة ، دمشق : 1992 م ) ص 24 . وانظر صيغ الأسئلة الواردة للسيوطي ضمن الحاوي . وانظر أيضا فهرس الفهارس والأثبات : 2 / 1019 وبدائع الزهور :
4 / 83 .
( 1 ) تعريف الفئة بأجوبة الأسئلة المائة ( ضمن الحاوي ) 2 / 300 .
( 2 ) التحدث بنعمة اللّه : 160 . وانظر الطبقات الصغرى : 21 .