فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح . ثم جاءه جبريل بغتة في غار حراء ، وأخذ يضمه إليه بقوة ثلاث مرات ، وكان يقول له : اقرأ ، فيجيب الرسول : ما أنا بقارئ . ثم جاءه بعد ثلاث سنوات تقريبا وهو يسير في شعاب مكة . » وروى البخاري عن جابر بن عبد اللّه قال - وهو يحدث عن فترة الوحي - فقال في حديثه : بينما أمشي إذ سمعت صوتا من السماء ، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فرعبت منه فرجعت ، فقلت :
زمّلوني ، أو دثّروني ، فأنزل اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنْذِرْ ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . . .
( المدّثر / 1 - 3 ) ثم تتابع الوحي بعد ذلك » « 1 » وكان الوحي ينزل على الرسول على حالات مختلفة منها الإلقاء في القلب ، ومنها أنه يتمثل له رجلا فيكلمه ، وقد كان جبريل يأتي الرسول أحيانا بصورة رجل أعرابي فيكلمه ، ويسأله ، ويلقي إليه ما يريد إلقاءه بكلام واضح مفهوم ، ويرى الصحابة ذلك الأعرابي ، ويسمعون كلامه ، ولكنهم لا يعرفونه أنه جبريل .
وإذا كان الرسول يرى الملك ولا يراه أحد سواه ، فإن من اليسير على الخالق الذي خلق العيون المبصرة أن يزيد في قوة من شاء منها فيرى ما لا تراه العيون الأخرى .
هامش
( 1 ) أخرج الحديث البخاري في كتاب بدء الوحي ، الباب 12 . وانظر توضيح ظاهرة الوحي في كتاب : كبرى اليقينيات الكونية ، للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ، ص - 178 - 184 .