للسرقة ، والجلد لما كذب على اللّه . « 1 » إذ فهم من القضاء والقدر أن فعله مجبر عليه إجبارا ، فهو لا يسأل عنه ولا يحاسب عليه ، فجلده عمر لأن الاحتجاج بما ظنّه احتجاج مردود بحرية الإرادة والاختيار التي يملكها الإنسان ، فهو محاسب على ما يصدر عنه من الفعل ، إن خيرا فخير ، وإن شرّا فشر . وهذه الحادثة تدلنا أيضا على أن هذا الموضوع عرف في وقت مبكر في الإسلام ، وقد تناوله كثير من علماء المسلمين شرحا وتفصيلا ، وفي مؤلّفات قديمة وحديثة « 2 » . ومن دوافع ذلك كثرة المجادلين في هذا الموضوع ، لا لشبهة في فهم أمر من أمور الدين ، وإنما لقصد فئة معادية للإسلام أن تحول بين عقول المسلمين وحقائق إسلامهم ، بما يمكن إثارته من غبار الأفكار الوافدة .
وخلاصة القول عن القضاء والقدر في نظر الإسلام : لا جبر بحيث يبطل التكليف وما يقوم عليه من جزاء ، ولا اختيار مطلق بحيث يشارك المخلوق الخالق بأفعاله . وما تمسك به أهل الكتاب والسنة هو الأسلم . فالإنسان مخير في أفعاله التي يملك السيطرة عليها ، وغير مخير فيما لا يملك التحكم فيه . فنمو جسمه غير خاضع لإرادته فهو غير محاسب فيه ، ولكن توجيه الأعضاء إلى فعل ما هو منهي عنه خاضع للحساب . وللإنسان إرادة ولكنها ليست بمعزل عن إرادة اللّه في تقييد إرادة الإنسان بنظام الكون الشامل الذي أوجده اللّه ليأخذ كل شيء فيه مكانه الخاص به .
أعتقد أن ما ذكرناه أعلاه كاف للاعتقاد بوجود إله خالق متصف بسائر
هامش
( 1 ) الإسلام - بحث في العقيدة والإيمان ، ص - 135 .
( 2 ) من المؤلفات القديمة : ( شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ) لابن القيّم الجوزية . ومن المؤلفات الحديثة : ( كبرى اليقينيات الكونية ) للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي .