خلاصة ونتيجة
عرفنا مما سبق أن الإنسان يتميز عن سائر الكائنات الحية بعقل يفكر به للوصول من المعلوم إلى المجهول . وأن القرآن خاطب العقل البشري في أرقى درجات التكريم ، وفي أسمى مراتب الفكر المتطور المتجدد في كل زمان ومكان .
وكان الخطاب عالميا ، غير أن ميدان تجربة الدعوة الإسلامية الأول كان المجتمع العربي . ورأينا كيف بهر القرآن العرب وتحدى الذين ظنوا أنهم بلغوا بلغتهم شعرا وخطابة مبلغا معجزا . إذ جاءهم بقسمي اللغة : الظاهر الذي لا يخفى على سامعيه ولا يحتمل غير ظاهره ، والثاني المشتمل على الكنايات والإشارات والاستعارات والتشبيه - وكان هذا القسم هو المستحلى عند العرب - .
جاءهم بالقسمين على عادة العرب في كلامهم ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله فبهرهم بإعجازه . وبهر غير العرب حين مزق حجاب الغيب ، وحين تطابقت آياته مع المكتشفات العلمية
جَمَعَ فَأَوْعى
( المعارج / 18 ) .
خاطب بني آدم كلّهم في مثل قوله :
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي ، فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . .
( الأعراف / 35 ) .
وخاطب الناس على اختلاف مشاربهم ، وخاطبهم حسب مقتضى الحال خطابا مباشرا في أربعة عشر موضعا ، منها :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا ، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
( الحجرات / 13 ) . وكلمة « الناس » تشمل المؤمنين وغير المؤمنين . ولم يوجهها القرآن إلى فئة دون أخرى أو طبقة معينة ، بل إلى الناس كلهم ، وبمستوى فكري يتناسب مع عامة الناس ، مثل :
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
( يونس / 101 ) . وهذا مما يؤكد عالمية القرآن . فلو خاطب القرآن الناس